فالنتاين سياسي!!

تم نشره في الثلاثاء 15 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

لو بقي رفيق الحريري حيا لما صنع المعجزات, وهذا لا يقلل من مكانته ودوره لدى انصاره او خصومه, لكن قتله بهذه الطريقة الارهابية يثبت ان خصومه الذين ارادوا الخلاص منه من المفلسين سياسيا والعاجزين عن الدفاع عن انفسهم، فكان الخيار تفجيرات وقنابل وارهابا وأبرياء يسقطون وعبثا بأمن لبنان وحق شعبه بالاستقرار, وهذه اللغة اكتوت بها شعوب أمتنا وما زالت من انظمة وتنظيمات وهيئات لا تجد القدرة على اثبات حضورها او الرد على خصومها الا بلغة العنف والارهاب وليس القوة, فالقوة مصطلح ايجابي للدفاع عن الحقوق ونصرة المظلومين.


وانفجار بيروت امس لم يقتل الحريري وبعض الابرياء فقط وانما اعاد اللبنانيين الى عهود الخوف وانعدام الاستقرار, تلك المراحل التي يريدها البعض ليحافظ على وجود وحضور ونفوذ ومصالح, لكنها لغة تعبر عن نهج وعقلية تهيمن على اداء البعض انظمة وتنظيمات, فالعبرة ليست في الخسائر والضحايا والابرياء بل في ذلك العقل والقلب الذي لا يتورع عن اصدار قرار بالقتل حتى لو كان التفجير لغايات شكلية, فالقاتل هو القاتل لا يختلف الامر بين مجرم يقتل لغايات السرقة, والارهاب, أو نظام يعجز عن التفاهم مع فئات من شعبه او يشعر بغياب شرعيته لديهم فيلجأ للقتل سواء كان في السجون او المجازر او حتى القصف بالطائرات وهدم البيوت بالدبابات.


وفي القاموس العربي هنالك حضور دائم لاسرائيل في قوائم المتهمين, ونظريا يمكن ان يكون لها مصلحة في تحويل الصراع السياسي المحتدم في لبنان الى صراع دموي, لكن اسرائيل اكثر ذكاء من بؤر الارهاب العربي الذي عرفته الامة عبر العقود الماضية وذاقت شعوبنا مراراته, ولبنان هدف لاكثر من جهة, فأمنه هدف, وحق شعبه بالاستقلال هدف, ورغبته في تحرير اقتصاده وسوقه هدف, وحيوية الحياة السياسية فيه هدف, اضافة الى ان البرنامج السياسي الذي كان يحمله وربما يقوده الحريري هدف, ولدى القتلة هدف اثبات انهم اصحاب اليد الطولى في صناعة الامن عبرهم او توسيع دائرة العنف والارهاب بأيديهم وبوسائلهم.


 ان يموت الحريري فهذا حدث متوقع قتلا او موتا طبيعيا, لكن الجهة التي اختارت الدفاع عن نفوذها او برنامجها في لبنان عبر السيارات المفخخة واغتيال الاشخاص تؤكد بوضوح انها وصلت الى مرحلة من الافلاس والضعف وغياب التوازن جعلها لا تفرق بين سلوك الافراد المتهورين او الباحثين عن الثأر وبين العمل السياسي للهيئات والتنظيمات والانظمة, ومَن فتح  باب القتل في لبنان مرة اخرى عليه ان يستعد لدفع الثمن من اطراف اخرى, فمثل هذه التفجيرات ليست حوادث جنائية تستغرق شهورا لمعرفة فاعلها, وربما تكون الدول المعنية بالرسالة او الرد قد عرفت وحددت الجهة الفاعلة, دون الحاجة الى ادعاء عام ومحكمة, والاهم ان فتح ابواب جهنم في بيروت يمارس ارهابا منظما لا يقل عما تفعله اسرائيل من ارهاب  ضد الفلسطينيين او ما يعيشه العراق من ارهاب صنعه الاحتلال او تمارسه تنظيمات ودول واجهزة مخابرات تستغل انفلات الساحة العراقية لممارسة القتل والتفجيرات التي تبتعد عن استهداف اصل البلاء ومصدر الشر الذي اصاب العراق.


ما جرى في بيروت امس ارهاب رفيع المستوى وبنكهة تختلف عن تفجيرات بدائية تجري هنا وهناك, ومن فعله وضع كل الاحتياطات من اجل منع الفشل, فكمية المتفجرات هائلة, والتخطيط التفجيري دقيق, وموت الحريري مطلوب لان القاتل يمثل عقلية (رجعية) في الارهاب حتى وان كانت تدعي غير ذلك, لكن ما هو اهم ان ما جرى في بيروت سيضع نارا مستعرة تحت الحدث السياسي في لبنان وربما في المنطقة, وسيصبح هذا القاتل مهما بلغت مساحته السياسية هدفا قريبا حتى لو اعتقد ان التفجيرات ستخفف عنه العبء.


رحم الله الحريري الذي اختار ان يكون احد نجوم اللعبة اللبنانية التي يريدها الجميع ان تكون في لبنان لكنها لعبة غير لبنانية وانما تخدم مصالح الاخرين.


  وقد تلقى الشعب اللبناني وقواه السياسية أكبر هدية في عيد الحب مغرقة باللون الأحمر لتحول يوم عيد الحب الى (فالنتاين سياسي)، وقد تكون منذرة بأحداث مغرقة باللون الأسود.

التعليق