شرم الشيخ : شارون الرابح الوحيد

تم نشره في الاثنين 14 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

    كتب المحلـّل "  بن كسفيت " في صحيفة " معاريف " الصهيونية يوم التاسع من شهر شباط الجاري ، مقالاً بعنوان : " اسرائيل – دولة مجانين ! – اذا لم تستغل الفرصة السانحة "، كشف فيه بعض التفاصيل والخفايا عن القمة الرباعية التي انعقدت في شرم الشيخ .. ويظهر الكاتب في هذا المقال مدى انتشاء شارون ووفده الى القمة بالاستقبال المختلف كليّـاً عمّا حظي به رئيس وزراء العدو السابق ايهود باراك لدى حضوره اجتماعاً مماثلاً في شرم الشيخ عينها .. حيث يقول : " شرم الشيخ غارقة بأعلام اسرائيل. شارون انفعل ، وبصعوبة تمكن من اخفاء ذلك .. لقد كان هو قائد المنطقة الجنوبية ، وهبط في شرم الشيخ مرات عديدة عندما كان فيها بضعة أكواخ ومسار هبوط اعدّ على عجل ... كان هذا يوم من انتعاش الروح ، نشوى غير قابلة للكبح ، رنين أجراس السماء .. لا يمكن للمرء الا ان يتذكر الزيارة المثيرة للصدمة لرئيس الوزراء السابق ايهود باراك في ذات المكان ، حيث تلقى الاهانة والتحقير والإخفاء لكل إشارة لاسرائيل او لعلمها، الاعتقال المدبر لسكرتيرة رئيس الوزراء ماريت دانون على يد رجال امن مصريين، الاجواء الصعبة .. باراك الذي وافق على تقسيم القدس وعلى اعطاء الفلسطينيين كل شيء تقريباً. آفي بزنر الذي كان في شرم الشيخ مع باراك وأمس كان في نفس المكان مع شارون قال : في ذلك الحين بصقوا علينا واما اليوم فداعبونا .. اما جدعون مئير نائب مدير عام شؤون الاعلام في وزارة الخارجية الذي ادار امس فريقا ناجحاً، فقد تجول بين الكاميرات، ولأول مرة لم يكن محرجاً أو خجلاً " ..   

                      
      ويستطرد الكاتب ليتحدث عن الأجواء المرحة التي سادت بين الحضور، والنكات التي تبادلها شارون مع الأطراف الأخرى، والدعوات التي وجهها إليهم لزيارته في مزرعته. وليتناول اللقاء الذي جمع شارون بمحمود عباس، والكشف الذي قدمه عباس لشارون حول الاجراءات " الانجازات ! " التي قام بها على صعيد ضبط الوضع الأمني في الأراضي الفلسطينية وحماية أمن الكيان الصهيوني خلال الاسابيع الثلاثة بعد تنصيبه رئيساً للسلطة، طالباً منحه المزيد من الوقت لإتمام ما بدأه .. وكيف رفض شارون دعوة عباس للموافقة على الإفراج عن أحمد سعدات وفؤاد الشوبكي .. وحسب قول الكاتب فإن عبّاس أكد لشارون انه سيسير بكل قوة ضد " المتطرفين " الفلسطينيين قائلاً " هذا لن يستغرق يوما واحداً .. يجب الصبر.. وضعنا صعب جدا ولكننا غير يائسين .. كلما عملنا على نحو اوثق انا وأنت، يمكننا ان نحافظ على ما نحققه ولا نسمح لهم بالتخريب! " ..


 هكذا ذهب شارون الى قمة شرم الشيخ نافشاً ريشه كطاووس، فاتحاً شهيته للمزيد من التنازلات لا من السلطة فحسب بل من الأطراف العربية الأخرى جميعها .. ولِمَ لا، فهو قد بطش بالشعب الفلسطيني كما لم يحدث من قبل دون أن يوقفه أو يدينه أحد سوى المقاومة ، وقام بكل الخطوات والاجراءات التي تجعل من انشاء دولة فلسطينية على أي جزء من الضفة وغزة أمراً محكوماً بإرادته قبل أي شيء آخر، ونجح في توجيه دفة الإدارة الأميركية لتبني سياساته واجراءاته وتأييدها بحماس منقطع النظير، بل وفرضها على ما يسمى بـ" المجتمع الدولي! ". لكنّ العقبة الكأداء ظلت المقاومة الفلسطينية التي خلخلت أمنه ووحدته الداخلية واقتصاده وسياحته، رغم بساطة أدواتها، والحصار الذي تواجهه من السلطة والأطراف العربية والدولية.


        ماذا يريد شارون في المرحلة الحالية أكثر من فتح الابواب العربية أمامه، واستقباله كصديق وشريك؟ ماذا يريد أكثر من تلميع صورته دولياً بوصفه رجل سلام بعد أن غاصت يداه في دماء الفلسطينيين .. ماذا يريد أكثر مما قام به عباس حتى الآن من اجراءات لحماية أمن الكيان الصهيوني، وكفّ يد المقاومة عن الردّ على الجرائم الصهيونية؟ انها انجازات حققها شارون، فكان الرابح الوحيد دون أي مقابل يذكر ..حيث إن الاجراءات التي أمر بتنفيذها شكلية ولا تعدو أن تكون ذراً للرماد في العيون، وتشجيعاً لسلطة عباس على المضي قدما في تولّي المهام الصهيونية عينها تجاه الشعب الفلسطيني .. فإذا كان قد توقف مؤقتاً عن الاقتحامات اليومية التي ينفذها في مناطق السلطة، فلأنه كان مجبراً عليها وكانت تكلفه أكثر مما تفيده .. وإذا كان قد وعد بإطلاق سراح خمسمائة أسير بعد قمة شرم الشيخ واربعمائة آخرين على دفعات خلال الشهور القادمة ، فلأنه يلجأ إلى مثل هذا الاجراء بين الحين والآخر عندما يصبح وجود الأسرى عبئا عليه، خاصة وأن سجونه تغصّ بالأسرى الذين وصل عددهم الى ما يزيد على الثمانية آلاف أسير وأسيرة .. وإذا كان سيسمح لبضع مئات من الفلسطينيين بالتوجه للعمل داخل الكيان الصهيوني، فلأن هذا الإجراء لم يتوقف تماماً طيلة فترة الانتفاضة الحالية الا في فترات تصاعد المقاومة، ولأنه أكثر حاجة لهؤلاء العمّال لإتمام مشاريعه بأقل كلفة ممكنة .. ومع ذلك، فإن هذه الإجراءات الصهيونية الشكلية لا تمنع العدو من تنفيذ أية خطوة يراها ضرورية في أي وقت من الأوقات بحجة عدم قدرة قوى الأمن الفلسطينية على ضبط الأمور..


 لقد تعاملت قمة شرم الشيخ مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية أمنية في المقام الأول، بالتوافق مع الرؤية الصهيونية، ومع ذلك فلم يصدر أي بيان أو إعلان عنها يلزم شارون بأي شيء سوى ما سمي بالعمل على " التهدئة " ووقف العمليات العكسرية. وأحيلت جميع القضايا الصغيرة والكبيرة مرة أخرى إلى اللجان التفاوضية التي لم تستطع طوال سنوات ما بعد أوسلو وحتى الآن أن تزحزح الموقف الصهيوني ولو قيد أنمله، ولا نظنها قادرة على أن تفعل ذلك في المستقبل ..


      أما الإدارة الأميركية فقد هرولت للاستفادة من هذه الفرصة المتاحة لإنهاء المقاومة وتصفية القضية الفلسطينية، فعينت "منسّـقاً أمنياً" أميركياً بين الكيان الصهيوني وسلطة عبّاس حتى يعين الكيان في مواجهة التطورات الأمنية القادمة، ويكون داعماً ورديفاً لجهوده في درء الأخطار عنه .. حيث أعلنت رايس " أن تعيين المنسق يهدف لمساعدة الفلسطينيين في المحافظة على الأمن، وللتركيز على التدريب والتجهيز بالمعدات ومساعدة قوات الأمن الفلسطينية ! " . كما أعلنت واشنطن اعتزامها منح السلطة 40 مليون دولار خلال الشهور الثلاثة المقبلة، وهي جزء من منحة تعهد بها بوش وقدرها 350 مليون دولار في إطار " برنامج عمل سريع " يهدف إلى " إحداث تأثير فوري ! " . هذا الى جانب دعوة عباس وشارون لزيارة واشنطن، وعقد اجتماع للجنة الرباعية نهاية هذا الشهر، وعقد مؤتمر لندن بداية الشهر القادم للتحضير لإقامة دولة فلسطينية، وتجنيد المزيد من " قوات بدر" المرابطة في الأردن وبخاصة القوى الشابة لإرسالها الى مناطق التماس العازلة لحماية أمن الكيان الصهيوني، وأخيراً دخول اليابان على خط دعم هذه الجهود بإعلانها " تنظيم مؤتمر بناء ثقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين في مصر أو الأردن أواخر شهر آذار المقبل " .


 كل هذه وتلك، خطوات جادة على طريق انهاء المقاومة الفلسطينية تمهيداً لتصفية القضية، مقابل التنازل الرسمي عن الحقوق الثابتة في كل أرض فلسطين ومائها وسمائها.. لكن حساب الحقل لا يتطابق دائماً مع حساب البيدر، اذ ما تزال طريق التسوية والتصفية طويلة وشائكة، ما دامت لدى الشعب الفلسطيني إرادة مقاومة وتصدّ للمشاريع التصفوية ولقوات الاحتلال .. وأولى البوادر اعلان الفصائل الفلسطينية المقاتلة عدم التزامها باتفاق " التهدئة " الذي أعلنه عبّاس في قمة شرم الشيخ والذي تمّ دون مناقشته معها، والتي أثبتت أنها جادّة فيما تقول حين أمطرت مستوطنات العدو بالقذائف والصواريخ ردّاً على استشهاد اثنين من الفلسطينيين على يد جيش الاحتلال ومستوطنيه، بعد أقلّ من يوم على انتهاء قمة شرم الشيخ.
 لقد رمى شارون الكرة في الملعب الفلسطيني، وهذا ما كان متوقعا بعد مجيء عبّاس الى السلطة، حيث إن العدو الصهيوني المتحرر من أية التزامات، يرهن كل الخطوات القادمة بما ستفعله سلطة عباس في مواجهة المقاومة وانهائها، مما يمكن أن يؤدّي إلى احتكاكات واشتباكات داخلية، بالرغم من كل التأكيدات اللفظية بأن هذا خطّ أحمر لا يمكن تجاوزه.


      إن اعتراف فصائل المقاومة بشرعية سلطة عبّاس " رغم عدم اعترافها بشرعية اتفاقية أوسلو!" وباستعدادها للتعامل معها، ولخوض انتخابات ما يسمى بـ " المجلس التشريعي " المنبثق عن الاتفاقية المذكورة، سيجعلها في موقف حرج، وربما يسهّـل من إدانتها ومهاجمتها مستقبلاً، اذا ما استمرت في مقاومة الحلول التسووية، وفي التصدي للعدو الصهيوني ومقاومته .. مما يستوجب من هذه الفصائل إعادة النظر في مواقفها وسياساتها وتكتيكاتها، بما يضمن استمرار المقاومة ومنع تصفية القضية.

التعليق