المدلل

تم نشره في الخميس 10 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

 


يستحق رئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون لقب المدلل خلال المرحلة الحالية, ليس خلال قمة شرم الشيخ الاخيرة بل منذ وفاة رئيس السلطة ياسرعرفات والتتويج غير الرسمي لمحمود عباس, لكن الاسابيع الاخيرة حملت تكثيفاً لعمليات الدلال والمجاملة التي جاءت سعياً للتخفيف من تطرفه وارهابه الممتد عبر سنوات حكمه وما قبلها.


وحرصت الدبلوماسية المصرية على ان تسجل لنفسها نجاحاً في بداية العهد الثاني للرئيس بوش وفي مواجهة تفاعل القضايا الداخلية وفي مقدمتها مسألة الخلافة او التجديد للرئيس مبارك, وحرص الدبلوماسية المصرية على تسجيل النجاح كان يعني استدراج شارون للعملية السلمية مرة اخرى, وهذا تطلب مهراً كان معظمه معجلاً, فالعرب وحدهم يؤمنون بالمهر المؤجل.


ولعلها المرة الاولى التي يتفق فيها معسكر السلام العربي مع قوى المقاومة الفلسطينية على خطوات سياسية هدفها اقناع شارون بالعودة للتسوية, او كما تحب فصائل المقاومة ان تسميه وقف العدوان او التهدئة او الهدنة المؤقتة, لكنها جميعاً تعني توفير الظرف الامني لاقناع شارون بحسن نوايا الفلسطينيين, وكان اول أشكال المهر المعجل الاتفاق الفلسطيني الداخلي على التهدئة ووقف العمليات والذي بدأ قبل القمة بأسبوعين تقريباً ومارست الحكومة المصرية عبر جهاز مخابراتها كل نفوذها على حركة حماس الفصيل الاهم وارسلت قبل القمة وفداً امنياً رفيعاً الى غزة سيبقى هناك عشرة ايام, واستطاعت ان تحصل قبل القمة على تصريح من رئيس المكتب السياسي للحركة يحمل اشادة ضمنية بالتحول في الموقف الاسرائيلي.


وقبل القمة تسرب خبر عن نية الرئيس المصري زيارة اسرائيل, وهي زيارة لم تحدث من قبل, وربما يكون تسريب الخبر نوعاً من استدراج شارون لموقف (معتدل)،او نوعا من الثمن المؤجل،لكن شارون تسلم ما هو اهم وهو اعلان مصر والاردن اعادة سفيريهما الى تل ابيب, وهو موقف لا يجد معارضة فلسطينية بل ينسجم مع حالة توافق السلطة والمقاومة على شراء اعتدال شارون واعادته الى المفاوضات. فاعادة السفيرين خطوة سياسية ليست اكبر من قرار الهدنة بل تتكامل معه لدعم ابو مازن واحياء عملية التفاوض بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
ولا يغير من الصورة العامة ذلك الحذر الذي تعاملت به قوى المعارضة الفلسطينية مع نتائج القمة, واشاراتها بانها لم تحمل جديداً, لكنه رد فعل متوقع  يعبر عن خيال سياسي, فالقمة لم تعقد لاعلان قيام الدولة الفلسطينية او لسحب جيوش الاحتلال بل لتشكيل حالة ثقة امنية, واضفاء اجواء ايجابية على المنطقة, اما من كان يتوقع غير ذلك فانه اما يخدع نفسه , او لم يقرأ ويسمع ويتابع ما يجري.


ان الانجاز الحقيقي لشارون انه استطاع ان يوحد معسكر السلام العربي والفلسطيني مع قوى المقاومة على اجراءات شبه موحدة هدفها الحقيقي اعطاء فرصة حقيقية للمفاوضات للعودة من جديد, وبهذا يتفوق على اسحق رابين الذي استطاع ان يكسب ثقة وود معسكر السلام العربي رغم انه قدم "تنازلات!!" اكبر بكثير مما يحلم العرب الان ان يقدمها شارون.


بقي ان نشير الى ان مكاسب شارون امتدت الى العاصمة السورية دمشق التي استطاعت الدبلوماسية المصرية ان تحصل منها على دعم وتأييد لقمة شرم الشيخ بعد زيارة وزير الخارجية المصري الى دمشق, كما سبق القمة تأكيد سوري على استعداد القيادة السورية للعودة الى طاولة المفاوضات دون شروط, وهذا الاعلان استجابة لرؤية الحكومة الاسرائيلية, لكن كل هذه الايجابية السورية لم تجد استجابة اسرائيلية, وجاءت التصريحات تؤكد على ان المفاوضات مع سوريا لن تأتي قبل ان توقف سوريا دعمها(للارهاب)، لكن كل هذا لا يجعلنا نستبعد ان نصحو يوما على مفاجأة من العيار الثقيل تعيد الحياة للمسار السوري, فالشجاعة السياسية التي كانت ما قبل كامب ديفيد السادات يمكن ان تتكرر وبخاصة اذا كانت ثمناً مباشراً للخروج من سلسلة الضغوط الحقيقي منها والمفتعل .


نعم كانت قمة شرم الشيخ ناجحة،لكن علينا ان نحدد اتجاهات هذا النجاح واشكاله؛ الا اذا كان اصرار محمود عباس على تكرار المصافحة مع شارون امام الكاميرات هو ما يراه البعض نجاحاً.

التعليق