الحوار نعم، ولكن، مع من ؟

تم نشره في الأربعاء 9 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

    تتنامى في السنوات الأخيرة فكرة الحوار، فمن حوار بين الثقافات إلى حوار بين الأديان وإلى حوار بين المجتمع المدني والدولة وإلى حوار بين الأقاليم، وإلى حوار بين الإيديولوجيات وإلى حوار بين القارات وما إلى ذلك من هذا الكلام كما يقول نجم الفضائيات الذي يعاكس اتجاه معنى الحوار في برنامجه.


    ومنذ الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001، تنبري العديد من الهيئات الرسمية و الأهلية الأوربية إلى تنظيم ملتقيات الحوار المباشر مع العالم العربي بعدما ظنت ولفترة طويلة أنها تمارسه من خلال البعثات العلمية ومن خلال المراكز العلمية المنتشرة فيه، كما معهد غوته أو المعاهد الفرنسية على مختلف تسمياتها. وبالتالي، فلقد ظهرت الحاجة، أو هكذا بدا لهم، إلى أشكال متطورة وأكثر مباشرة، مما أدى إلى إقامة الملتقيات التي تورد بشكل صريح عبارة الحوار في عناوينها. وتميز في هذا المجال الألمان لأسباب عديدة من أهمها تطور الدراسات الشرقية والإسلامية في جامعاتهم، ووجود المؤسسات التمويلية المنبثقة عن الأحزاب السياسية ولكنها مستقلة عن الحكومة وتمتعها بهوامش عريضة للحركة. و يُضاف إلى هذا وذاك، أن التاريخ الاستعماري لألمانيا يُبعدها عن الحساسيات في العالمين العربي والإسلامي لانعدام مستعمرات سابقة لها في هذه المناطق. ويُتوج الألمان كل ذلك بقدرة متميزة على الاستماع للآخر، ولا يعني هذا الاتفاق معه، وعلى إظهار تواضع في الموقف والابتعاد عن إعطاء الدروس بفجاجة الآخرين.


     وفي هذا الإطار، نُظمت أيام للعالم العربي في البرلمان الألماني في برلين في نهايات العام المنصرم. دُعي إلى هذا اللقاء حكوميون وأكاديميون ونشطاء من مختلف الدول العربية، أو أغلبها. وتميزت بعض الوفود بغلبة الشكل الرسمي على أعضائها وأخرى، بمشاركة رجال الاقتصاد ونشطاء وأكاديميين. ومن الجانب الألماني، حضر عدد كبير من ممثلي الأحزاب وكثير من النواب ورجال الأعمال، وكذلك المؤسسات العلمية والثقافية، إضافة إلى حضور متميز للمؤسسات التي تعمل في مجالات التنمية والمساعدة الإنسانية وحقوق الإنسان.


     البعد الرسمي لكثير من الوفود العربية أصبغ على الحوارات طابعاً خشبياً تميز باعتلاء عرشه وفدا السودان وليبيا، فمن ناحيتهم، طالب السودانيون وبشكل مباشر ومبسط حتماً، من الألمان، المساعدات والهبات والتمويلات اللازمة للمشاريع الإنمائية ولكنهم لم ينسوا التشديد على رفض أي تدخل فيما اعتبروه سياستهم الداخلية، خصوصاً فيما يتعلق بالمجازر في دارفور والقمع السياسي ضد المعارضين على مختلف مشاربهم، وإلا، فإنهم سيعتبرون أية بادرة من مؤسسات المجتمع المدني الألماني بمثابة عدوان سياسي على دولة ذات سيادة. و بالمقابل، وقبل أن يقوم هانيبعل قذافي باستعراضاته الباريسية وبحمل السلاح وضرب صديقته، والسير بسرعة 145 كم في جادة الشانزيليزيه عكس السير، قام الوفد الليبي بمرافعات عدة مليئة بخطابية الستينات وبالدروس في السياسة إلى كل الحاضرين الذين وزعت عليهم نسخ بالألمانية لمعجزات الفكر السياسي الليبي. وتميزت وفود قليلة بخطابين، رسمي وآخر أكاديمي كان أقرب منه إلى مفهوم المعارضة ليست الداخلية فحسب ولكن على صعيد المفاهيم والمسلمات التي يحاول الجانب الرسمي إعطاءها صفة التمثيل الشامل لتطلعات الأوطان، وهي على الأغلب، تمثل تطلعات ضيقة وغير تمثيلية لطبقة تتحكم بالمقدرات السياسية تساندها طبقة طفيلية تتحكم بالمقدرات الاقتصادية.


     الألمان من جهتهم، استمعوا وأكثروا من الاستماع حتى خيل لي بأنهم حضروا كمراقبين، ولكن ذلك لم يطل، فقد كانوا يستوعبون الصدمة ويحاولون إنقاذ ما أمكن انقاذه. فهدفهم كان حواراً مع ممثلين متنوعين للمجتمعات العربية، فإذ بهم أمام وفود غلب عليها الرسميون. وهدفهم كان حواراً يشمل الشؤون الثقافية والاقتصادية والمجتمعية والسياسية، فإذ بهم أمام بعض الوفود التي جاءت إلى مؤتمر للدول المانحة أو للبنك الدولي، تطلب وتطلب، ومن ثم تطلب. وهدفهم كان حواراً منفتحا على الآخر ومستوعبا لتاريخه وحضارته، فإذ بهم أمام بعض المشاركين الذين توجهوا إليهم بلغة تبشيرية تكاد تدعوهم للدخول في الإسلام زرافات وجماعات. وهدفهم كان معرفة أسباب الخلل في العلاقات بين الشرق والغرب، معرفة أسباب التباعد بين الأديان، معرفة أسباب الرفض المتزايد للعلمانية في المجتمعات العربية، والخلط الدائم بينها وبين الإلحاد، فإذ بهم أمام بعض المشاركين الذين يعطونهم دروساً في العلاقات الدولية وفي كيفية أنه لا حل إلا بالوقوف إلى جانب قضاياهم العادلة التي تم الخلط فيما بينها وبين حتمية انعدام الديمقراطية وعدم الحاجة لها، وشمول التعاليم الدينية على كل ما يخص حقوق الإنسان وبالأخص المرأة، فشكراً لجهودكم، وعلى أن الفساد عالمي، فلا حاجة لنا بأن نحاربه لأننا متسلحون بالقيم السامية ولا فساد عندنا إلا ما ندر.


     أخطأ الألمان باختيار ممثلين غير تمثيليين لمجتمعاتهم، وربما فعلوا ذلك عن قصد رغبة منهم في التعرف، أكاد أقول أكثر، على صانعي القرار في البلدان العربية، وأحسن بعض العرب بأن تخلوا رغم رسميتهم، عن اللغة الخشبية الغوغائية، وتميزوا بانفتاح أصبغ تفاؤلاً، ونسي بعض العرب بأنهم يتوجهون إلى ممثلي شعب يحمل عبء الذاكرة المريرة و المرتبطة بأفران الغاز والنازية، فكانوا يخاطبونهم باللغة التي يتوجهون بها إلى أعضاء أحزابهم الحاكمة وما تحمله من عنف لفظي يخلط بين الإسرائيليين واليهود والصهاينة، 
وأبدع محمد بكري بتقديم مونودراما المتشائل.


سألني أحد الأصدقاء الألمان ونحن نهم بالخروج من القاعة في اليوم الأخير : الحوار نعم، و لكن مع من؟

التعليق