أفكار في المسألة الكردية....

تم نشره في الأربعاء 9 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

    أثارت الانتخابات العراقية وحضور الحال الكردية فيها وطابع الاستفتاء الذي جرى حول تقرير المصير، أثارت الكثير من التساؤلات حول واقع المسألة الكردية وآفاق تطورها.


مبدئياً يفترض النظر الى الوضع الكردي ليس بصفته وضعاً غريباً أو حالة مرفوضة قومياً ومنبوذة بل على أنه جزء حيوي من شعوب المنطقة ويرتبط عضوياً مع مشروعها النهضوي العام في مواجهة أطماع القوى المتربصة بمجتمعاتنا وشعوبنا شراً، الأميركية والصهيونية وغيرها، الأمر الذي يستدعي اعترافاً صريحاً وواضحاً بالشعب الكردي كجزء تكويني من نسيج المنطقة، وأنه متجذر في تاريخها وحياتها السياسية والاجتماعية منذ مئات السنين، ولا تطعن هذه الحقيقة أو تضعها في دائرة الشك والالتباس، محاولات الإلغاء التي دأبت عليها قوى التطرف والتعصب القومي، خارج السلطات وداخلها، ومغالاتها الشوفينية في رسم تاريخ تشكل مجتمعاتها على هواها، تلغي فيه دور الكتلة القومية الكردية، وتدعي بأن ما هو قائم من تشكيلات قومية واجتماعية ليس إلا حالة مؤقتة أو طارئة صنعتها قوى الاستعمار وتسوياته لرسم خرائط المنطقة.


     إن العودة إلى قراءة متحزبة قومياً لتاريخ مجتمعاتنا للطعن بحق هذه الكتلة القومية أو تلك، هي عودة خاسرة ومربكة لجميع الأطراف، وسوف تؤدي إلى إشكالات واندفاعات غير محمودة جراء بروز وجهات نظر متنوعة وحتى متناقضة أحيانا، حول أحقية ومشروعية القوى القومية المتعددة التي تشكل بنية هذا المجتمع أو ذاك، مما يشجع على ضرورة الاحتكام إلى الوقائع التاريخية الراهنة والاعتراف بحقائقها القائمة التي تؤكد أن لحمة كل مجتمع هي خليط من القوميات المختلفة التي تتشارك العيش على أرضه منذ القدم، ساهموا جميعهم في صياغته وإيصاله إلى ما وصل إليه اليوم، مما يعني فيما يعنيه، ضرورة الإقرار الواضح والصريح بوجود الشعب الكردي كجزء عضوي من تركيبة كل مجتمع يتواجد فيه، إيران أو تركيا أو العراق أو سورية، والإقرار بحضور مسألة سياسية ترتبط بحقوقه القومية المشروعة، كحق المواطنة وحقوقه الثقافية والسياسية الأخرى.


     يقودنا الحديث عن الحقوق القومية الكردية، إلى الحديث عن تاريخ ومستقبل نضال الأكراد، إذ تجدر الإشارة هنا إلى انهيار الرؤية الاستراتيجية الثورية القديمة التي اعتمدتها كافة القوى السياسية الكردية على مختلف مشاربها كي تصل إلى أهدافها وحقوقها القومية. استراتيجية العمل عبر مختلف الوسائل، وخاصة الكفاح المسلح والبؤر الثورية في جبال كردستان، من أجل كسر الحلقة الضعيفة من السلسلة التي تؤلف كردستان التاريخية، مرة في إيران، وأخرى في العراق، وثالثة في تركيا، استراتيجية تغليب الغاية السياسية القومية على ما عداها، وبشكل خاص على هدف النضال الديمقراطي، رغم أنه الهدف الوحيد الذي يعالج ويحل تلقائياً كل الإشكالات والمعضلات القومية مهما كانت صعبة ومعقدة.


      وإذا كانت نتائج الحرب العالمية الثانية ومرحلة الحرب الباردة، والانتصارات التي حققتها حركات التحرر في البلدان المتخلفة بوسائل العنف الثوري، هي عوامل تفسر وتبرر الحضور القوي والمتفرد للاستراتيجية السابقة الذكر في توجيه النضالات القومية الكردية، لكن ما حصل من متغيرات عالمية، مع انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية، وسيادة النظام العالمي الجديد وعصر العولمة والثورة المعلوماتية، أطاح موضوعياً، بمثل هذه الاستراتيجية وجدواها النضالية، وما عزز ذلك في الخصوصية الكردية، الدروس والعبر المستخلصة من الهزائم والانكسارات التي شهدها النضال الكردي في ثوراته المعاصرة، ودور العوامل العالمية والإقليمية في إجهاض طموحه القومي بعد أن وصلت " اللقمة إلى الفم " في غير لحظة من لحظات تاريخه، جمهورية مهاباد في إيران 1947 ، اتفاق آذار في العراق 1975 ، والحال الراهنة في العراق بعد سقوط صدام حسين وغيرها، الأمر الذي دفع موضوعياً، كي تتقدم رؤية استراتيجية جديدة تعتمد أساساً الممر الديمقراطي طريقاً وحيدةً لانتزاع الحقوق القومية للأكراد بما في ذلك حقه في تقرير مصيره، مما يفترض على الأكراد وقواهم الحية أن يتقدموا قوى العمل الديمقراطي في كل بلد من البلدان التي تتقاسم كردستان التاريخية من أجل بناء نظام ديمقراطي، دولة المؤسسات، دولة الحق والقانون، هدفاً. واعتماد خيار النضال السياسي السلمي الواضح العلني، أسلوباً، على قاعدة تربية الذات وتثقيفها، كما تربية وتثقيف الجماهير الشعبية، كي يصبح هذا النضال منهجاً أكيداً وثابتاً، لا عملاً ظرفياً ومؤقتاً.


     وحين يختار ويتبنى الشعب الكردي وقواه الحية في كل موقع من مواقع تواجده، استراتيجية النضال الديمقراطي لحل مسألته القومية وتعقيداتها، فإنه يضعنا أمام مجموعة من الحقائق الداعمة لصحة هذا الاختيار من أهمها :
أولاً : إن النضال الديمقراطي يعني في أحد وجوهه، نضالاً من أجل مساواة جميع القوميات والاثنيات في نظر المجتمع والقانون، وبالتالي، نضالاً من أجل الحقوق المشروعة للشعب الكردي، حقه في المواطنة، حقوقه الثقافية والسياسية، وحقه المتساوي في المشاركة في إدارة السلطة والدولة، بما في ذلك أيضاً، حقه في تقرير مصيره بالوسائل والأساليب الديمقراطية، ولعلنا نستطيع دفع هذه الرؤية " تخيلاً أو حلماً " إلى الأمام، إلى تصور وضع تقوم فيه أنظمة ديمقراطية في كافة البلدان التي يتواجد فيها الشعب الكردي، ألا يوفر هذا الوضع ويضمن للشعب الكردي فرصته الطبيعية والصحية لحل معضلته القومية.


ثانياً : إن اعتبار الديمقراطية المدخل الوحيد لحل المسألة القومية سيعمق، بلا شك، حالة التلاحم النضالي بين كافة القوى السياسية العربية والكردية التي يوحدها هدف التغيير الديمقراطي، ويخلق واقعاً من الثقة والاطمئنان بين الشعب الكردي والشعوب التي يقاسمها العيش المشترك، مزيحاً "الشعور الملتبس" بأن الشعب الكردي يخفي وراء نضاله حسابات ومصالح ذاتية ليس إلا، وأنه يترقب الفرصة المناسبة لتحقيقها دون اعتبار للمصلحة الوطنية العامة، كما يزيل بالمقابل الإحساس بالظلم الذي تراكم تاريخياً لدى الأكراد بأنهم كانوا دائماً وقوداً لمختلف القوى السياسية المتصارعة، أو جسراً عبر من فوقه هذا الطرف أو ذاك نحو أهدافه السياسية الخاصة ومن ثم تناسى ما رفعه من شعارات لنصرة الحقوق القومية الكردية، كل ذلك سوف يوفر مناخاً جديداً وصحياً يضع الجميع على قدم المساواة في الحرص والمسؤولية الوطنية ويقطع الطريق، مرة والى الأبد، على الأنظمة المسيطرة في مناطق تواجد الكرد، في استخدام المسألة الكردية كوسيلة أو ورقة ضغط في صراعاتها وتسوياتها الإقليمية.


ثالثاً : يكتسب التأكيد على أولوية النضال الديمقراطي أهمية نوعية في اللحظة الراهنة لدعم دعوات الإصلاح السياسي الديمقراطي في مجتمعاتنا نحو مستقبل تسود فيه الحرية والتعددية واحترام حقوق الانسان ويغدو الوطن فيه وطناً للجميع بما يجسر الهوة بين الشعوب ويجنبها مخاطر الانزلاق إلى صراعات قومية لا طائل تحتها، فاستراتيجية النضال الديمقراطي هي الوحيدة الكفيلة بمواجهة الأجواء التي تزداد تهيئاً لتقدم حركات قومية متطرفة خصوصاً في الجانب الكردي تسعى إلى التأثير بالجماهير الكردية واستمالتها على قاعدة الظلم التاريخي الذي تعرضت له من القوميات الأخرى.


     أخيراً، إن المعاناة العربية والكردية واحدة، وتختصرها كلمة واحدة، هي غياب الديمقراطية، وانتصار الديمقراطية، يشكل مناخاً ومدخلاً لا غنى عنه كي نواجه جميعاً كافة المعضلات القومية والسياسية والإنسانية ونتصدى للتحديات الماثلة أمامنا، في عالم لا مكان فيه ولا دور إلا للشعوب المتحدة والمتكاتفة.

التعليق