ليبرالية وديمقراطية!!

تم نشره في الثلاثاء 8 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً


فكرة هامة اشار اليها الاستراتيجي الامريكي ساتلوف في الحوار الذي اجرته الغد معه خلال زيارته للاردن حول ما تريده الولايات المتحدة للمنطقة, وببساطة قدم هذه الفكرة على ان الادارة الامريكية لا تريد الديمقراطية للمنطقة وشعوبها بل تريد لليبرالية ان تصبح واقع هذه الدولة وان يحكم الليبراليون وتصبح مقاليد الامور ومفاتيح الحكومات في ايديهم.


فالولايات المتحدة لا تريد الديمقراطية بمفهومها ومضمونها الحقيقي الذي يعطي للشعوب حقها في حكم نفسها, وان تملك زمام امرها عبر اختيار ممثليها, لان الادارة الامريكية وخاصة بتركيبتها العقائدية وممارستها الحالية تؤمن ان لها مشكلة مع الشعوب العربية والاسلامية, وكثيراً ما طرحت الاوساط الامريكية السؤال الكبير "لماذا يكرهوننا", وهذه الاوساط تعلم بوسائل قياس مختلفة ان النهج الامريكي جلب عداء واسعا ورفضاً حقيقياً من الشعوب, ولهذا فإن اي ديمقراطية حقيقية ستأتي الى مواقع صنع القرار بأغلبيات معادية او على الاقل رافضة للسياسات الامريكية, وتعلم الادارة الامريكية ومراكز صناعة القرار في واشنطن ان الموقف الشعبي الرافض للسياسات الامريكية لم يعد مقتصراً على القوى الاسلامية بل حالة شعبية عامة وبخاصة في ظل دخول الجيوش الامريكية في ساحة الاحتلال المباشر للارض والانسان العربي والمسلم.


وقبل سنوات طويلة كان البعض في انظمة عربية يطرح بشكل عملي ونظري فكرة "ديمقراطية بلا اسلاميين", اي ان الخطوة السابقة لاي عملية ديمقراطية ابعاد الاسلاميين عن ساحة العمل السياسي والعام بغض النظر عن الوسيلة حتى لو كانت قمعاً واجتثاثاً ومحاكمات وهمية ومشاريع مؤامرات لقلب انظمة الحكم, وحتى في الدول التي كانت باتجاه اعادة هيكلة هذا الحضور للاسلاميين من اجل الحصول على مخرجات معقولة للعملية الديمقراطية, مع الاشارة الى اننا نتحدث عن الاسلاميين المعتدلين المؤمنين ولو مرحلياً بالخيار الديمقراطي.


اما الليبرالية المطلوبة فتعني حالة من الانفتاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي تقوده مجموعات لا تحمل فكراً او موقفاً عقائدياً او سياسياً, او في اضعف الايمان قادرة على تحييد هذه الاشياء لمصلحة البراغماتية المفرطة, وان يكون منطق البزنس والمصالح والمال هو المحدد الاول في تحديد المواقف والسياسات, والاهم ان يؤمن هؤلاء الليبراليون بعلاقة قدرية مع الولايات المتحدة, والحرص على تمرير معظم او جميع ما تريد مقابل مكاسب قد لا تكون احياناً اكثر من الرضى.


والامنية الامريكية ان يأتي هؤلاء الى السلطة عبر صناديق الاقتراع, لكن هذه الامنية صعبة التحقيق لان هذه المواصفات لا تعبر عن خيار الناس, لهذا ترى الولايات المتحدة في بعض مؤسسات المجتمع المدني معاقل لهذه الليبرالية, فهي مؤسسات لا تمتلك حضوراً شعبياً لكنها تحظى بالترحيب والدعم المالي, ومنها يقفز مسؤولون الى مواقع القرار في المجتمعات باعتبارهم ممثلين لمؤسسات المجتمع المدني, مع ان بعضهم لا يمثل الا نفسه وسكرتيرته والمراسل الذي ينظف المكتب, لكنها الحالة الدولية التي تبذل جهداً لتضخيم من لا يمثلون وتهميش الناس وخياراتهم, انها محاولة لصناعة وهم ديمقراطية تقودها بعض النخب التي تدين بالولاء للمشروع الامريكي الى جانب انظمة ترى قوة وجودها في رضى  مراكز صناعة القرار في واشنطن وليست في شرعية تستمدها داخل جذور مجتمعاتها.

التعليق