قانون رقم 41

تم نشره في الاثنين 7 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

يخيل احيانا لمن يتابع هدير الناس والحكومات والنواب عن مكافحة الفساد وانشاء الهيئات والمؤسسات المعنية اننا نمارس اختراعا لم يسبق ان عرفته اجيال الاردنيين خلال العقود الماضية , لكن بعض الممارسات والسياسات (القديمة) تعبر عن حرص على المؤسسية والمال العام اكثر مما قد تجلبه بعض الاختراعات الادارية الحديثة.


سليمان طوقان احد موظفي الدولة الكبار في الخمسينيات , قتل في بغداد عام 1958 اثناء وجوده هناك في مهمة رسمية خاصة بالاتحاد بين الاردن والعراق اثناء حكم الملك فيصل لبغداد , لكن الانقلاب الذي جرى ضد النظام الملكي كان من ضحاياه المسؤول الاردني سليمان طوقان , وارادت الحكومة انذاك مواساة شقيقتي الراحل بتعويض مالي , فلم تجد الحكومة بندا لصرف 1000 دينار الا عبر اصدار قانون سمي قانون منح تعويض (مواساة) لشقيقتي السيد سليمان طوقان, وحمل هذا القانون رقم 41 لسنة 1958 وصدر بتاريخ 20/11/1958 وتضمن القانون ثلاث مواد رئيسية منها تمنح شقيقتا المرحوم تعويضا (مواساة) مبلغ 1000 دينار تقسم بينهما بالتساوي .


قد لا يرى البعض في هذا الامر حدثا لكنه بالتأكيد تعبير عن وجود نظام او كما يسميه اهل العلم (System) يجعل من صرف اي مبلغ من المال العام سواء كان داخلا في بنود الموازنة او قادما من مساعدات او منح صرفا ضمن الاطر المؤسسية ولولا وجود ضابط في مؤسسات الدولة لما احتاجت الحكومة الى قانون حتى تقوم بصرف 1000 دينار لشقيقتي موظف كبير قتل اثناء وجوده في عمل رسمي خارج البلاد .


ان القاعدة الاساسية في مكافحة الفساد في اي مجتمع او دولة ليست في العقوبات فقط, ومقياس نجاح الدولة في الحرب على هذا الداء ليست في كثرة القضايا المحالة الى القضاء فحسب , وانما في بناء نظام اداري وتشريعي يغلق على الفاسدين امكانية تنفيذ ما يريدون, فاذا كان لدى مؤسسة ووزارة معدات واجهزة صالحة للاستعمال وتكفي للغرض وكلفت الخزينة اموالا ضخمة, وجاء مسؤول يرى مصلحته والعمولة في شراء اجهزة ومعدات جديدة واعتبار الموجود غير صالح دون وجه حق, فان معيار القدرة على الحد من الفساد تكمن في التشريعات والاجراءات الوقائية التي لا تعطي للمسؤول صلاحية اتخاذ مثل هذه القرارات وتكليف الخزينة اموالا مهدورة واعباء اضافية


السلطة والمال تصنعان ارضية خصبة لنمو الفساد في اي مكان في العالم وتوسعه والمضاد الاهم في بناء اليات واجراءات تحرم صاحب النفس الضعيفة من استغلال اي واقع لارتكاب مخالفة للقانون, وكما اشرت سابقا فان ازدياد عدد القضايا المحالة الى القضاء ليست دليل عافية لوحده رغم ايجابيته بل قد يكون هذا معيارا لزيادة الاستغلال السيء  للسلطة والمعيار ان لا يجد ضعيف النفس ثغرة في اي تشريع وواقع اداري يمكن من خلاله ممارسة الفساد تحت ستار من الصلاحيات او ضعف نظام الرقابة .


واخيرا فان قصة قانون الالف دينار تجعلنا نمتلك مقياسا معقولا للنظر فيما حولنا من جهود وخطط للحد من الفساد والحفاظ على المال العام .

التعليق