الانتخابات الاميركية في العراق: هزيمة مدوية

تم نشره في السبت 5 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

    كشفت المصادر الاميركية ان الرئيس الاميركي جورج بوش مارس ضغوطا شديدة في اتصالات مكثفة على عدد كبير من القادة العرب والاوربيين وغيرهم ليعلنوا دعمهم لنتائج الانتخابات الاميركية في العراق. وقد أميط اللثام عن أن بين المتصلين العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني ومن ثم الرئيس المصري حسني مبارك الذي قال رئيس الوزراء العراقي المؤقت اياد علاوي انهما اتصلا به هاتفيا للتأكيد على دعم العملية السياسية في العراق.    وليس ذلك مفاجئا للمراقبين فإن الدولتين حليفتان رئيسيتان للولايات المتحدة الاميركية ومخططاتها في المنطقة العربية كما أنه ليس مفاجئا أن "يطبل" الاميركيون وجوقتهم للممارسة الانتخابية في العراق رغم انها بالحسابات الحقيقية هزيمة للمشروع الاميركي.


      وقد رافق التصويت في الانتخابات عملية اعلامية ضخمة, ادارتها الولايات المتحدة والسياسيون المتعاونون معها في العراق, زعمت بعد الانتهاء من التصويت أنها "انتصار" وان حضور الناخبين "فاق التوقعات". وعند ازاحة التضخيم الاعلامي والاستعراضي لا يوجد ما يبرر هذه "الفرحة" الاميركية اذ ان مجريات الانتخابات الاميركية في العراق تطابقت مع توقعات المحللين والمناهضين للمشروع الاميركي ولحسابات المقاومة العراقية. فالخارطة الانتخابية وتوزيع الناخبين وفق التقسيمات العرقية والطائفية, التي دخلت العراق مع الاحتلال الاميركي البريطاني, تؤشر أن الاكراد, الذين يشكلون عشرين في المئة تقريبا من سكان العراق, سيصوتون بكثافة لسببين رئيسيين: أن غالبية الاحزاب الكردية تآلفت في قائمة واحدة, وبالتالي فإن تصويت ناخبيهم سيكون حكرا عليها تقريبا, والثاني أن للاكراد مشروعا قوميا انفصاليا, وان وصفوه بالفيدراليه, ويعتقدون أن الادلاء بأصواتهم سيثبت سعيهم لتحقيق ذلك المشروع في هذا الوقت الذي لا وجود فيه لدولة عراقية قوية مستقرة راسخة.


      كما أن الخارطة الانتخابية توضح أن غالبية الشيعة في العراق, وهم يشكلون ستين في المئة من سكان العراق, سيدلون بأصواتهم على أساس أنها فرصتهم للاستحواذ على السلطة, مضافا اليه الولاء الديني الطائفي للمرجعية التي أمرتهم بالتصويت "والا سيدخل نار جهنم من يمتنع عن التصويت" حسب توجيه المرجع الشيعي, الايراني الاصل, علي السيستاني, المقيم في النجف العراقية. أما المسلمون السنة من عرب العراق, ويشكلون حوالي عشرين بالمئة, فإنهم عارضوا الانتخابات مع الدعوة لمقاطعة التصويت فيها.


      ويعني ذلك أن التوقعات وتصريحات السياسيين, التي سبقت الانتخابات, كانت تشير الى أن حوالي ثمانين في المئة سيدلوا بأصواتهم. ويبدو أن هذا الانطباع دفع, عادل اللامي, من المفوضية العليا للانتخابات الى الاسراع بالاعلان ان (72 في المئة) أدلوا بأصواتهم, غير أن المفوضية تراجعت عن ذلك الرقم وتحدثت في اليوم الثاني عن حوالي ستين في المئة. مجلة تايم الاميركية تقول ان النسبة (57 في المئة) حسب مقال نشرته يوم الاثنين من مراسلها في العاصمة العراقية, توني كارون, فيما يقول الامين العام لمجلس العشائر العراقية أن النسبة لا تتجاوز (35 في المئة). في الوقت نفسه لم يشارك في الانتخابات حوالي تسعين في المئة من عراقيي الخارج.


     وحتى لو افترضنا أن ستين بالمئة أو سبعين في المئة ممن يحق لهم الاقتراع قد أدلوا بأصواتهم, فإنه انتكاسة للمشروع الاميركي وانتقاص من شرعية الجمعية والحكومة العراقية القادمة. بحساب الارقام فإن أربعين في المئة من ناخبي داخل العراق رفضوا منح المشروع الاميركي أية شرعية. ويشير ذلك التحليل الى أن هناك شيعة وأكرادا وآخرين, بما يصل الى عشرين في المئة من سكان العراق, انضموا الى السنة الذين يمثلون عشرين بالمئة من السكان في رفض الاحتلال والمتعاونين معه.


     والعامل الاخر الذي ينبغي أن يؤخذ في الحسبان هو أن غالبية المقترعين العراقيين, من الاكراد والشيعة, توجهوا الى صناديق الاقتراع مدفوعين بالشعور بالظلم الذي تعرضوا له في ظل النظام السياسي السابق, وليس تأييدا للمشروع الاميركي. فقد كانت ممارسات النظام السابق تمييزية, سياسيا وجغرافيا ودينيا, وتستند الى قياسات محددة ألحقت الحيف بحقوق الاقلية الكردية والاغلبية الشيعية في السلطة والحقوق القومية والدينية والسياسية. ولعل تسلسل القياسات أكثر ايلاما فهي تبدأ من الولاء للمنطقة الجغرافية, تكريت والدور وسامراء والفلوجة والرمادي وحديثة, ودينيا المجموعة السكانية السنية, ومن ثم سياسيا الولاء المطلق لحزب البعث العربي الاشتراكي. ومع ذلك هناك عدد كبير من تلك الطائفتين, الشيعة والاكراد, والكاتب أحدهم, ممن لم يؤثر على انتمائهم الوطني ظلم النظام السابق وأجهزته ويقعون في مصيدة العاطفة ويتخلون عن الثوابت ويمنحون صوتهم للاحتلال ولمتعاونين معه.


      ولا يوجد أدنى شك أن المنتصرين الوحيدين في عملية التصويت هم الولايات المتحدة الاميركية وايران والاكراد لأن كل طرف منها يستثمر نتائج الانتخابات لتقوية مشروعه الاستراتيجي في العراق مستغلين مسعى الناخبين العراقيين الى البحث عن أي وسيلة لتحسين اوضاعهم الامنية المأساوية والمعاشية الكارثية.
كاتب ومحلل سياسي عراقي

التعليق