الانتخابات العراقية .. ستحرج أميركا في العراق وخارجه

تم نشره في الخميس 3 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

    توقيت الانتخابات العراقية خدم بوش فهو القائل قبيل أيام من إجرائها " حين تقفون مع حريتكم, فإننا سنقف معكم ", وبعد إجرائها غدا رجل قول وفعل. فهو من أنفق المليارات وحشد الجيوش وبذل عزيز الدماء من أجل أن ينتخب العراقيون رئيسهم وهو ما حصل بنسبة تصل إلى ستين في المئة على رغم حشد المقاطعة السنية وثلاثة عشر تفجيرا انتحاريا.


حسنا ماذا بعد ؟


    بوش سيجد نفسه محرجا لأن وزارة الخارجية الأميركية منذ عهد كارتر تصدر تقريرا سنويا عن أوضاع حقوق الإنسان في العالم, وفي التقرير الذي يعتمد معايير واضحة  ومفصلة حقائق ثابتة لا يمكن إنكارها, خلافا لتقرير الدول الداعمة للإرهاب الذي ثبت عقب الحرب على العراق أنه يتضمن أوهاما رغائبية لا دليل عليها, فحتى الآن لم يقف دليل على رجليه يثبت امتلاك العراق لأسلحة التدمير الشامل أو علاقة بين نظام صدام والقاعدة .


     الخطير أن الحرب شنت أساسا بدعوى الإرهاب لا انتهاك الحريات, لكن اليوم يحاول بوش أن يقدم تبريرا آخر وبأثر رجعي للحرب, لقد شنت للتخلص من الطاغية صدام حسين .


     لا يحتاج بوش إلى معلومات استخبارية دقيقة حتى يكتشف طغاة آخرين, لديه تقارير سنوية منذ ربع قرن يعلوها الغبار تكشف ماذا فعل حلفاء حميمون له بخصومهم السياسيين  قتلا وتعذيبا وتشريدا, سيكتشف الدساتير العتيدة التي تكرس عبادة الحكومات لا انتخابها  سيكتشف الكثير الكثير ..من وثائق حكومته العلنية وسيجد أضعاف ذلك في التقارير السرية . أهم من ذلك مؤسسات المجتمع المدني الأميركي المعنية بحقوق الإنسان لديها أيضا تقارير منشورة زاخرة بالأهوال والمصائب .


       هل يستطيع أن يمضي بوش إلى النهاية ؟ لدي اقتراح بسيط, الولايات المتحدة  أخذت موقفا متشنجا من تقرير التنمية الإنسانية الذي سيصدر عن برنامج الأمم المتحدة برئاسة الدكتوره ريما خلف بعنوان " الإصلاح السياسي في العالم العربي " . مرد التشنج الأميركي انتقاد التقرير لأداء الولايات المتحدة في العراق. مع أن التقرير الذي أعده مثقفون وخبراء عرب يضع حبه في طاحونة بوش الداعية لـ" الديموقراطية ". وهو جهد علمي نقدي لا يمكن اتهام أصحابه بأنهم من جماعة القاعدة. الاقتراح البسيط المقدم للإدارة الأميركية أن ترفع الفيتو عن التقرير, وتخفف ضغوطها على برنامج الأمم المتحدة وتسمح بنشر التقرير. وهو سيظهر أن بلدان عربية كثيرة يقف فيها مناضلون مع حريتهم فيما تقف الولايات المتحدة..ضدهم, لا معهم بحسب خطاب بوش الأخير. التشنج ضد التقرير لم يقتصر على أميركا بل شمل مصر الحليف الحميم , لأن التقرير , بحسب ما تسرب , تناول مسألة " توريث الرئاسة " .


      أيضا سيجد بوش حقائق دامغة في تقارير منظمات دولية محايدة أبرزها منظمة العفو الدولية ثمة آلاف المفقودين وآلاف المعتقلين وآلاف الممنوعين من السر وملاين الممنوعين من الانتخاب .


     حتى يقف بوش مع من يقفون مع حريتهم لا يحتاج , كما العراق , إلى مليارات الدولارات ومئة وخمسين ألف جندي وشلال دماء لا يتوقف. كثير من الدول ربما لا يحتاج لأكثر من استدعاءات إلى البيت الأبيض وربما إلى السفارة الأميركية في البلد المعني . 


    سيجد الأميركيون يوميا من يذكر بوش " أولست القائل ؟" وفي العراق سيجدون من يذكرهم بمعاييرهم , فارتفاع نسبة التصويت في الانتخابات العراقية لا يعود إلى انتشار الثقافة الديموقراطية ورسوخ مؤسساتها . بل إلى انتشار العصبية المذهبية والأقوامية (الإثنية ) ورسوخ زعاماتها. هل كانت ستجري انتخابات لو أن سماحة السيد علي السيستاني اعترض عليها ؟ هل يعي بوش ماذا يعني " مرجع التقليد "؟ مرجع التقليد معناه الحاكم الجامع للشرائع , ويستمد سلطانه من اجتهاده الديني لا من انتخابات ولا غيرها, وعاجلا أم آجلا سيصطدم الأميركيون بسماحة السيد الذي يرفض حتى اليوم مقابلة أي مسؤول أميركي حتى لا يعطي شرعية للاحتلال. وبموازاة الشرعية الدينية ثمة شرعية ثورية لدى الأكراد لا تسمح بتداول السلطة لدى الحزبين الكرديين فجلال الطالباني يظل إلى الأبد زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني ومسعود البرزاني يظل إلى الأبد زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني . 


     نسبة التصويت المرتفعة في الانتخابات العراقية تذكر بتصويت الأردنيين للمطربة ديانا كرزون في برنامج سوبر ستار, فالأعداد الكبيرة من الذين صوتوا لأسباب تعصب وطني نكاية بالسورين ومطربتهم لا يسمحون لشقيقاتهم وبناتهم بالظهور على خشبة المسرح للغناء. وتذكر أيضا بارتفاع نسبة التصويت في المحافظات الأردنية قياسا على العاصمة , فالذين يقبلون للتصويت انتصارا لابن العم وممثل العشيرة غير معنيين بمعايير الديموقراطية  وثقافتها.


     فوق ذلك هل الديموقراطية حق الأكثرية أم حق الأقلية ؟ المستبدون عادة ما يستهدفون الأقليات الدينية أو الأقوامية أو الاجتماعية, النازية استهدفت اليهود لهذا السبب. وأميركا أصلا تتدخل في العالم العربي بحجة الأقليات :الشيعة, الأكراد, الأفارقة, الأقباط ..لكنها في العراق وبمعايير عنصرية جعلت من العرب السنة أقلية مظلومة وبانتخابات محتفى بها. فالعرب أكثرية إذا حسبت المسألة قوميا (العرب سنة وشيعة أكثر من 50 في المئة) , والسنة أكثرية إذا حسبت المسألة (العرب السنة والأكراد والتركمان السنة أكثر من 50  في المئة ) سياسيا انتزع الشيعة من قوميتهم وانتزع الأكراد والتركمان من مذهبهم وقبل ذلك انتزع العراقيون من وطنيتهم . المهم غدا العرب السنة أقلية, الولايات المتحدة احتفت بتهميش هذه الأقلية في انتخابات جرت برعايتها . لنتخيل لو أن انتخابات جرت في أميركا وقاطعها اليهود الأميركيون أو الأميركيون من أصول أفريقية أو إسبانية هل يقبل ذلك ؟ في أميركا يعتبر جريمة أما في العراق فيعتبر إنجازا .


     سيكتشف الأميركيون في العراق أن العرب السنة لديهم وطنية وكرامة وليسوا من بقايا نظام صدام أو من أتباع الزرقاوي, وسيعبرون عن غضبهم ليس بتفجير المدنيين الأبرياء بل سيواصلون حربهم على الاحتلال, ألم تسقط المقاومة الإسلامية الوطنية طائرتين أميركية وبريطانية في غضون الانتخابات ؟


     الانتخابات العراقية ستحرج أميركا في العراق وبدرجة أعلى خارجه ومشكلة الرئيس الأميركي أنه لا يستطيع أن يسحب كلامه ويعتذر عما ورط نفسه به في خطاب التنصيب . مثال أخير : الفلسطينيون يريدون حريتهم, وهم يتعرضون لأبشع احتلال عنصري عرفته البشرية, وقدموا ثمنا غاليا في سبيل حريتهم ولا يزالون ..هل سيقف بوش معهم ؟الكارثة أن مرشده في الديموقراطية الشرق أوسطية شارانسكي وهو ما يدفعنا للترحم على شرق أوسطية بيريز !
abuhilala@yahoo.com

التعليق