الثورة الفلسطينية الأخرى

تم نشره في الأربعاء 2 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

 


    ربما كان الابتهاج الذي دام لأكثر من أسبوع والذي استُـقْبِل به انتخاب محمود عباس كرئيس للسلطة الفلسطينية شعوراً منطقياً مبرراً. لكن الوقت قد حان الآن للحرص على الخروج بتقييم حصيف دقيق لمستقبل الفلسطينيين والإسرائيليين، بل وربما في المقام الأول من الأهمية، مستقبل العالم العربي ككل.


     ومثل هذا التقييم يتطلب الاعتراف بأن الانتخابات لم تخل من العيوب: حيث أن منظمتي حماس والجهاد الإسلامي قد قاطعتا التصويت، كما أن مروان البرغوثي، زميل عباس في عضوية فتح والمرشح الوحيد الذي كان قد يشكل تحدياً جدياً له، قد أُقْـنِع من قِـبَل قيادة الحركة بأسلوب لا يخلو من الإرغام على سحب ترشيحه من أجل إيجاد جبهة موحدة.


    علاوة على هذا فقد نجح عباس (الشهير بـِ "أبو مازن") في فرض سيطرته على الجهات والميليشيات الأمنية الفلسطينية التي يزيد عددها على العشرة. ولقد ضمن له هذا إحراز النصر، مع أن مواكب الرجال المسلحين الذين كانوا يلوحون ببنادقهم أثناء جولاته الانتخابية لم تكن بالضبط من المظاهر التي تدعو إليها مبادئ الديمقراطية.


    ولكن هناك حقيقة تظل ثابتة، وهي أنه بعد عقود من حكم ياسر عرفات الأوتوقراطي، وعلى الرغم من القيود الواضحة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي المستمر، اختار الشعب الفلسطيني زعيماً في انتخابات تتميز نسبياً بالحرية والمنافسة. لقد نجح عرفات لسنوات في تجنب عقد انتخابات، وفقاً لقوانين السلطة الفلسطينية، بدعوى عدم إمكانية عقد الانتخابات في وجود الاحتلال. ولكن بعد شهرين فقط من وفاته، انعقدت الانتخابات ـ وبنجاح باهر.


    ومن الواضح أن الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخراً ستخدم كعامل محفز لمفاوضات متجددة بل وربما أكثر نجاحاً مع إسرائيل. لكن وقع الانتخابات الفلسطينية سيكون مشهوداً أيضاً في العالم العربي، وذلك لأن ما حدث في الضفة الغربية وغزة لا نظير له في سجلات تاريخ السياسة العربية. فلسوف ينعم عباس الآن ببريق تفرده كرئيس منتخب. ولم يحدث أي شيء كهذا في أي بلد عربي آخر.

 والحقيقة أن عباس الآن هو الزعيم العربي الوحيد الذي أتى إلى السلطة بانتخابات حرة إلى حد ما.


    هل يختلف المجتمع الفلسطيني عن المجتمعات العربية الأخرى إلى هذا الحد؟ أبداً، لكن السياق الفلسطيني كان يحتوي على العديد من العوامل المتفردة.

تجسد العامل الأول في الضغوط الخارجية القوية: فبعد أن واجهت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي النهج المراوغ والأسلوب الأوتوقراطي لياسر عرفات، حرص كل من الطرفين على إبلاغ الفلسطينيين بوضوح أن أي دعم لمساعيهم الرامية إلى الحصول على الاستقلال في المستقبل سوف يتوقف على تبنيهم لعملية ديمقراطية مقبولة إلى حد معقول.


     أما العامل الثاني فقد تمثل في ادراك أغلب الفلسطينيين أن قدرتهم على خوض مثل هذه العملية الديمقراطية كان في حد ذاته يشكل خطوة مهمة على طريق النضال ضد إسرائيل.


    وأخيراً، فإن ما تعرض له الفلسطينيون وهم يعيشون تحت حكم إسرائيل لما يقرب من أربعة عقود لم يقتصر على المصاعب والشدائد الواضحة التي فرضها الاحتلال عليهم؛ بل لقد عاينوا أيضاً، ومن مسافة قريبة، ديمقراطية ليبرالية ناجحة ـ صحافة حرة، ونظام قضائي مستقل، وتعددية سياسية. وعلى ما يبدو أن جدلية الاحتلال تمارس ألعاباً غريبة، سواء بالنسبة لقوى الاحتلال أو الشعب الخاضع للاحتلال.


    لقد شوهدت الانتخابات الفلسطينية في كل مكان من العالم العربي على قناة الجزيرة وقنوات التلفاز العربية الأخرى.ولابد أن هذه الانتخابات قد أسهمت في تركيز أفكار الناس على أحوالهم السياسية المعوقة. فإذا كان بوسع الفلسطينيين وهم يرزحون تحت الاحتلال الإسرائيلي أن يختاروا قياداتهم، فلماذا لا يحدث نفس الشيء في القاهرة أو دمشق أو الرياض أو الجزائر؟


    حين يهدأ التهليل والابتهاج والمديح الذي استحقه الفلسطينيون، فقد يبدأ الحكام العرب والجماهير العربية ("الشارع العربي" الـمُضَلـَل) في توجيه بعض الأسئلة العويصة. فقد أثبت الفلسطينيون أنه ليس من الحقيقي أن أي مجتمع عربي عاجز عن التقدم على طريق إنشاء مؤسسات تمثيلية. لماذا إذاً يصبح من غير المستطاع محاكاة هذا التقدم في مجتمعات عربية أخرى؟.


     ربما كانت انتخابات الرئاسة الفلسطينية الأخيرة بمثابة قنبلة زمنية زرعت تحت عروش الحكام العرب ـ الملوك والأمراء والرؤساء. ومع أن محاولة جلب الديمقراطية إلى العراق بالقوة تلقى الفشل، إلا أن المفارقة المتمثلة في ميلاد ديمقراطية عربية في ظل احتلال إسرائيلي قد تشكل تهديداً لم يدرك الحكام العرب مدى جسامته بعد.


المدير العام الأسبق لوزارة خارجية إسرائيل، وهو أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية بالقدس.


خاص بالغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت


ترجمة: مايسة كامل
         

التعليق