العراق: كسب معركة القلوب وليس الإعلام

تم نشره في الثلاثاء 1 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

 كسب الرئيس الأميركي جورج بوش, على ما يبدو, معركة الانتخابات العراقية (إعلامياً), ولكن التحدي الكبير الذي يواجه ادارته والحكومة العراقية المنتخبة هو كسب الرأي العام العراقي والعربي والعالمي حول مستقبل العراق في مسيرة محفوفة بالمخاطر ومفتوحة على كل الاحتمالات, ابرزها بداية التأسيس لعراق الغد, او لعراقٍ منقسم الى دويلات طائفية يخوض غمار حرب اهلية.

 

ونحن بانتظار ان تعلن النتائج النهائية للانتخابات العراقية خلال الايام القادمة, حيث ستظهر الارقام النهائية عدد المشاركين من اصل اجمالي العراقيين الذين يحق لهم الانتخاب, ليبدأ بعدها تشكيل الحكومة وتعيين الرئيس ونوابه لمدة عام ريثما تنتهي عملية وضع دستور جديد للعراق.

 

 ان الادارة الاميركية وبريطانيا ومن ورائهما الفضائيات العالمية ومعظم الفضائيات العربية  بالغت كثيراً في التركيز على "عرس الديمقراطية" وصورت المسيرة التي جرت امس كعنصر سياسي واكيد وبرهانٍ للمشككين حول العالم ان العراقيين ومن ورائهم العرب, بدأوا بتلقف ثمار بدايات عملية الديمقراطية والاصلاح, التي يريدها الغرب؛ وكان من الاجدى ان يُظهر بوش وحلفاؤه والاعلام العالمي واقعية اكثر وان لا يبالغوا كثيراً في وضع المكياج على وجه العراق الممزوج بالأسى والدم والامل, لئلا ترفع التوقعات قبل ان تحبط من قبل التطورات على الارض. فالاهم في حسابات المرحلة المقبلة هو الجهد الذي سيبذل لتحقيق مصالحة سياسية شرعية بين الاطراف العراقية التي قاطعت الانتخابات والتي شاركت فيها, حيث ان على اميركا ان تقوم بجهد دبلوماسي كبير تجاه المجتمع الدولي والعراقي, ومن بعده المحيط العربي. فالضرورة تحتم على العالم ان يجمع قواه ويتعاون، وخاصة الدول التي عارضت الحرب، للتأكد من ان العراق لن يحيد عن سكة الديمقراطية المنشودة مستقبلاً وان قوات الاحتلال سترحل لتعود السيادة في العراق الى العراقيين.

 

وعلى الرغم من مظاهر الفرح والمشاركة القوية في المناطق العراقية ذات الاغلبية الشيعية والكردية, مقارنة مع مناطق نفوذ السنة, فان الهواجس المشروعة تبقى لامكانية نشوء حرب اهلية اوعدم امكانية اقناع السنة بالانضمام لمسيرة رسم مستقبل العراق الموحد والقوي وذي السيادة الكاملة.

 

العراقي بحاجة ماسة لبناء موقف داخلي ومصالحة وطنية بين الطوائف الاثنيات المختلفة، بحيث ان الاولوية تبقي كسب "معركة القلوب" والشرعية التمثيلية بدل ان يظهرالقادة العراقيون كتابعين لاميركا, او كوجوه عراقية بقالب اميركي. المطلوب ايضاً من دول الجوار, وخاصة تلك التي تتخذ مواقف "الحياد السلبي", او قد تقوم بتوفير الدعم للمقاومة, ان تساعد, بدلاً من ان تقف موقف المتفرج حتى يقوم العراقيون بترتيب تداعيات الاحتلال بأيديهم, وعليها ان تساعد في اعادة الجسور مدّ بين السنة والشيعة, وفي تدريب القوات العراقية وبناء كافة المؤسسات تزامناً مع جهد دولي اكبر لبناء تحالف للمساعدة على النهوض بالعراق ومحاولة اعادة الاستقرار اليه.

 

وبانتظار حدوث المعجزة, يستطيع العديد منا, حكاماً وشعوباً, التعلم من تجارب الانتخابات العراقية الاخيرة بغية توسيع المشاركة في عملية اخذ القرار واحترام الاراء وحقوق الانسان الاساسية؛ فالمؤسف ان الشعب العراقي والشعب الفلسطيني مارسا حقهما في الانتخاب في ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية صعبة, وتحت بنادق الاحتلال الاسرائيلي والاميركي, بينما يتسابق بعض القادة العرب على التشبت بمقاعدهم, وتزوير ارادة الناس, عبر استعمال الثغرات القانونية او الترويج والتطويع لضمان البقاء, بدلاً من الاحتكام الى ارادة الشعب والى صناديق الاقتراع؛ فالاولى ان نأخذ زمام المبادرة بأيدينا في مسيرة الاصلاح والتطوير بدلاً من اضاعة الوقت وترك مستقبلنا بأيدي الغرب الذي سيفرضه حتماً على المنطقة العربية خدمة لمصالحه الذاتية لاسيما ان معظم قادتها اختاروا البقاء خارج الاطار السياسي للعولمة، وان كانوا يدعمون العولمة الاقتصادية بحرارة.

 

فالعراقيون بحاجة ماسة الى بناء توافق داخلي, يبدأ بالتوافق بين الساسة الكبار المنتخبين وممثلي الطوائف والاثنيات, وعلى القادة العراقيين الجدد كسب شرعية داخلية بابتعادهم عن العمل وكأنهم اميريكيون لكن بوجوهٍ عراقية.

التعليق