العالم بين فكّي أسطورة (الهولوكوست) و (معاداة السامية) !

تم نشره في الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

 


         
   في كل عام ، تنظم اللوبيات الصهيونية في العالم حملات واسعة لإحياء ذكرى ما يسمّــــــى بـ(الهولوكوست) أو المحرقة التي يدّعي الصهاينة أنها تمّت في أفران غازمحكمة الاغلاق في معسكر " اوشيفيتز " النازي في بولندا خلال الحرب العالمية الثانية ، والتي يزعمون أنه راح ضحيتها ستة ملايين يهودي .

 لكن حملات هذا العام واحتفالاته كانت مختلفة من حيث اتساعها وشمولها أكثر من دولة أوروبية ، وكذلك من حيث مشاركة الجمعية العامة للامم المتحدة في إحياء المناسبة لأول مرة في تاريخها ، بضغط واضح من الولايات المتحدة ، وتحت رعاية الكيان الصهيوني ، بدعوى مرور ستين عاماً على حدوثها .. والسؤال الآن ، لماذا لم تحتفل الأمم المتحدة بالمناسبة في (يوبيلها) الفضي أوالذهبي، أي بعد مرور خمسة وعشرين أو خمسين عاما على حدوثها ، كما جرت العادة في المناسبات المشابهة ؟ الإجابة واضحة ، وهي أن عالم ما بعد الحرب الباردة يخضع بصورة غير مسبوقة لإرهاب وابتزاز شديدين من جانب الولايات المتحدة الامريكية، التي لا تخفي استراتيجيتها القائمة على استخدام العصا مائة مرة ، واستخدام الجزرة مرة واحدة ، حتى تجاه أقرب أتباعها ، حيث لم يعد لها حلفاء حقيقيون في العالم في ظل سياسات الانفراد والهيمنة واحتقار الآخرين وتتفيه ادوارهم ، تحت غطاء شعارات مضللة كالقيم الامريكية والحرية والديموقراطية واحترام حقوق الانسان .


   لقد قضى في الحرب العالمية الثانية اكثر من 45 مليون إنسان ، من مختلف القوميات والاثنيات والأديان ، منهم نحو 22 مليون سوفياتي . واذا افترضنا صحة المزاعم الصهيونية المتعلقة بالمحرقة ، والتي ينكرها كثير من " المؤرخين المراجعين " في أمريكا وأوروبا ، باثباتات ووثائق دامغة ، أويذهب بعضهم الى اعتبارها مبالغا فيها بشدة ، فإنها لا بد أن تكون قد قضت على إعداد كبيرة أخرى من غير اليهود .. فلماذا يقتصر الحديث على اليهود دون غيرهم من الأديان أو الأقوام ، ألا يحق لهؤلاء أيضا أن يطالبوا بتعويضات عن ضحاياهم ، أم أن ضحايا الديانة اليهودية مختلفون عن غيرهم من البشر( وهو ما تنص عليه الثقافة اليهودية فعلاً وبوضوح شديد ) . 


   لقد بات واضحاً لكل من يريد أن يفهم ويرى ، أن المحرقة ليست سوى أداة ابتزاز  اتكأت عليها الصهيونية العالمية لخلق عقدة ذنب لدى الأوروبيين والألمان بخاصة ، ولدى العالم بعامة ،لتبرير إنشاء كيان لليهود على أرض فلسطين العربية ، ولاستمرار مدّ الحركة الصهيونية ودولتها الغاصبة بأسباب البقاء والاستمرار،عن طريق " التعويضات " المادية والتسليحية الضخمة التي ظلـّت ألمانيا تدفعها وما تزال نيابة عن هتلر والنازيين ( وآخرها الهدية التي قدمتها الحكومة الالمانية الحالية للكيان الصهيوني والمكونة من ثلاث من أحدث الغواصات في العالم " دولفين " ) ، إلى جانب دول أخرى في العالم .


   ليس هذا فحسب ، بل إن المحرقة بالحجم المزعوم الذي صوّرت فيه ، قد كانت طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، الدجاجة التي تبيض ذهباً بالنسبة للحركة الصهيونية العالمية. فقد استخدمت للتغطية على الجرائم والمذابح التي ارتكبها اليهود في اوروبا المسيحية أولاً ، ومن ثمّ تجاه الشعب الفلسطيني والأمة العربية . أما بالنسبة للغرب المنافق ، الذي أسهم في صنع الكيان الصهيوني وانشائه للتخلص من مشكلة اليهود ، فان أسطورة الهولوكوست كانت وما تزال ضرورية لتبرير دعم وجود " اسرائيل " وما ترتكبه من فظاعات ، بدعوى أن كل ما تقوم به أقلّ بكثير مما لاقاه اليهود على يد هتلر وحزبه ( الاشتراكي الوطني الالماني ) ! . ولا نعتقد أن ما يسمى بالرأي العام الغربي معنيّ كثيراً بالاستفسار عن سبب اختيار الشعب الفلسطيني والارض الفلسطينية ليكونا كبش الفداء لحلّ عقدة الذنب الأوروبية تلك . ويبدو أنه ليس معنيا ايضاً بفهم الفرق بين الديانة والقومية ، حيث إن اليهود الغربيين الذين تشبعوا بالثقافة الدينية اليهودية القائمة على تقديس الذات اليهودية واحتقار كل ما عداها ، قد لعبوا أدوارا هدامة في جميع البلدان التي عاشوا فيها ، وكانوا عصيّين على الاندماج في مجتمعاتها ، رغم أنه لا يوجد فرق بينهم وبين مواطنيها الآخرين سوى ديانتهم اليهودية لا غير ، وغني عن الذكر انه لا يربطهم بفلسطين ولا بالجنس السامي الذي ينتمي اليه اليهود الشرقيون ( السفارديم ) أي رابط من أي نوع .


   أما الفزاعة العالمية الأخرى ، إلى جانب المحرقة ، ( أو المخرقة – بالخاء – كما يحبّ أن يسميها أحد الأصدقاء ) ، فهي فزاعة " معاداة السامية " . وقد استخدمت الحركة الصهيونية هذه الأداة تجاه الشعوب الأوروبية والغربية عموماً ، واحدثت تشوها شديداً في وعيها ، بحيث اصبحت السامية مرادفة لليهودية ، واليهودية مرادفة للصهيونية ، وكلتاهما مرادفتان لـ" اسرائيل " . كما حاولت الحركة الصهيونية وما تزال استخدام فزاعة معاداة السامية ضد العرب المناهضين لها ، بصفاقة منقطعة النظير ، متجاهلة بأن العرب هم أصل الجنس السامي وثقله الأكبر عدداً . ولا ندري إن كان الرئيس بوش ومحافظوه اليمينيون يعرفون هذه الحقيقة ويتجاهلونها لأسباب سياسية أم انهم يجهلونها فعلاً  .

 ففي ظل ادارته الديموقراطية جداً ،  أصبح مجرد نقد سياسات الكيان الصهيوني ، يعدّ معاداة للسامية وجريمة لا تغتفر . وبات مطلوباً بقرار من الكونغرس ان تصدر وزارة الخارجية الامريكية تقريراً سنوياً بشأن ( معاداة السامية على مستوى العالم ! ) . وقد صدر أول تقرير سنوي لها مع بداية هذا العام ، وجاء فيه " ان موجة العداء للسامية وبخاصة في اوروبا في تصاعد مستمر ، وان هذا أمر شائن لا يمكن التسامح معه" ! ويضيف التقرير" ان التصاعد الملحوظ لظاهرة معاداة السامية منذ مطلع القرن الواحد والعشرين قد حمل الأسرة الدولية على الاهتمام بها بقوة متجددة " . واشار التقرير الى ان " هذه الاعمال قد اصبحت اكثر توجيها خلال السنوات الماضية ، ويبدو ان منفذيها لهم هدف محدد هو النيل من اليهود واليهودية ، بعد تدني هذه الظاهرة بعد الحرب العالمية الثانية!". وتطرق التقرير الى العالم العربي فندد " بالجهود الحكومية القليلة التي تبذل من اجل الحد او التصدي لنشر وبث مواد تحض على الكراهية في وسائل الاعلام المكتوبة والفضائيات ". كما اشار  الــى ان " الحكومات العربية لا تبذل الا الحد الادنى من الجهود من أجل التسامح والموضوعية في هذا المجال" . وختم التقرير بالقول " ان اعمال العنف المعادية للسامية تسهم كليا في الإرهاب ضد اسرائيل !!" .


   ومع ذلك ، فان ذاكرة الشعوب تظل حيّة ، فهي تتذكر بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اعتبرت الحركة الصهيونية حركة عنصرية في قرارها الشهير رقم 1397 ، وتتذكر أيضاً بان هذه الجمعية قد تراجعت عن قرارها هذا في منتصف العقد الماضي بعد ان مارست الادارة الامريكية ضدها شتى صنوف الارهاب والضغط .. فكيف يطلب من شعوب العالم احترام هيئة كالامم المتحدة تقلب الحق باطلا والباطل حقا ، فتصبح الصهيونية بين عشية وضحاها حركة تحريرية بدلا من حقيقتها العنصرية ، وتصبح المقاومة المشروعة وفق مواثيقها ارهاباً ، والغازي الأمريكي لأرض العراق دون قرار منها محرراً يجب مساعدته والوقوف الى جانبه ، ويصبح الاحتفال في الأمم المتحدة بذكرى المحرقة مهرجاناً تكريمياً للكيان الصهيوني العنصري ، بينما تسقط دعاوى مرفوعة أمام الأمم المتحدة لمحاكمة العدو الصهيوني على مجازر صبرا وشاتيلا وبناء الجدار العازل وارتكاب مذبحة مخيم جنين وإغلاق " بيت الشرق "  والقائمة تطول. صحيح أن الامم المتحدة قد باتت أداة مسخـّرة لخدمة المصالح الأمريكية ، وأنها تتحمل مسؤولية كبيرة عن كل الانتهاكات والاعتداءات التي تواجهها الأمة العربية، الا ان ذلك لا يعفي من تحميل المسؤولية أيضا ، وربما بصورة أكبر ، لجميع الحكومات العربية المتواطئة مع الطرف الأمريكي- الصهيوني ، وللهيئات والمنظمات والأحزاب العربية التي لا تقوم بواجبها في تنظيم الحملات المضادة لهذه الحملات الشرسة المعادية ، وكشف زيفها وبطلانها ..
 

التعليق