اخوان مصر: واقعية التعامل مع تحديات العولمة وحماية الامة

تم نشره في الجمعة 28 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

 

 

 

تستحق مبادرة الاصلاح التي اطلقها الاخوان المسلمون في مصر, العام الماضي, الاعجاب والتقدير بسبب واقعيتها وفكرها البراغماتي، وبعدها عن التنجيم السياسي, الذي تعودنا على رؤية شعاراته الخالية من أي مضمون يلبي حاجات عصرنا هذا, ويستغرب البعض ان لا تحظى هذه المبادرة بالاهتمام اللازم الذي يرافق عادة هكذا افكار تتناول شأن الامة ومستقبلها، خاصة وانها وضعت اطارا شاملا لاعادة تأهيل الامة, وفق الاحتياجات الحالية.

وتنسجم كثيرا هذه المبادرة مع ما نادى به جلالة الملك عبد الله الثاني منذ سنوات, حين دعا الى خلق قواسم مشتركة  لقراءة الفكر الاسلامي في زمن العولمة, بعد ان اكتوت الشعوب بنار المفاضلة اللغوية على حساب مصالح الاوطان.

 

فحين تدعو المبادرة, الى الاستجابة لمعطيات التجارة الدولية, ومراعاة اتفاقياتها المختلفة, وإبعاد العسكر عن السياسة, وحق القوى السياسيه في تداول السلطة, واعتماد الديموقراطية كرديف للشورى, والتأكيد على حقوق المرأة الاساسية, وتحرير السوق, والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لتطوير الاجيال القادمة, وتنظيم مخرجات التعليم لموكبة متطلبات السوق, وضرورة مراعاة الظروف الدولية المحيطة بالامة, واحترام حرية الاعتقاد, والتأكيد على اهمية العلاقات الدولية في بناء قوة الامة.

 

وحين تدعو تلك المبادرة المصرية الى كل ذلك, وتطالب بالتفاعل مع هذه المفردات, فانها تضع يدها على جرح الامة الحالي, دون ان تتهم بالانحياز للغرب, والاستجابة لمشاريع الاصلاح الامريكية, كما يجري عادة كيل الاتهامات وحياكة خطوط المؤمرات مع كل طرح جديد.

 

لماذا يتهم الاخرون, حين تكون لهم آراء مشابهة لهذه الافكار, بينما لا تلقى هذه المبادرة الشجاعة الحافلة بالوعي على مشاكل الامة العربية, الاهتمام الكافي الذي يليق بها, خاصة بعد ان اوشكت فئة من المتطرفين البعيدين عن صلب الدين, الذين يمارسون الارهاب الفكري, ان يصادروا ما تبقى لدى الامة من ارادة حرة , لتعقيل الخطاب الديني, بعدما اختطفوا اعتداله, وطوّحت افكارهم السلبية بكل قيمه النبيلة, واعادت قراءة مفرداته بصورة مغلوطة وبافق ضيق وبشكل كفّرت فيه الحاضر دون ان تقدم اية اضافة, لمستقبـل الأمة, مع اصرارها على الحاق الأذى بالإسلام والمسلمين, حينما ساعدت على جعلة هدفا سهلا على المتربصين به من اعداء الامة وهم كُثُر, وعرضت مصالح الامة للخطر.

 

ان كل من يتجاهل هذة الافكار الايجابية , داخل الحركة الاسلامية الاردنية والعربية, انما يريد ان يتسترعلى خطاب آخر يعسكر فيه السلوك السياسي للحركات الاسلامية, بعد ان غابت عنه لغة الحوار, وحلت محله ثقافة التطرف والعنف, البالغ الكلفة على الامة. لقد آثر الاخوان المسلمون في مصر , عبر مبادرتهم هذه , التفاعل مع الواقع, عوض العيش داخل الاسطورة والحلم , والاكتفاء بتمجيد الماضي , بدل الاستجابة لاسئلة العصر الحيوية , وحاولوا ان يضعوا الامة على خارطة الزمان , بدل ان تعلق مصالحها على فوهة البركان , وعكست احساسا عميقا بمتطلبات العصر , دون ان تجور على القيم والمبادئ , واظهرت مرونة في التخريج الفقهي, وشجاعة في الرأي, نحن بامس الحاجة إليها, قبل ان يسدل الغرب الستار على مشهد يصنف الاسلام والمسلمين, كرديف للقتل والارهاب.

 

لقد حاول الاخوان المسلمون في مصر, ريادة المستقبل, وضبط ايقاع الامة, وفق معادلات العصر. والامة العربية مدعوة لتخصيب هذا النهج  بما يتلاءم مع خصوصياتها, عبر التفاعل مع هذه الافكار نقلا وتوزيعا, بل اضافة نوعية , للبدء بالتغيير نحو الافضل,  والاطاحة بكل المتاريس الواقعية والوهمية التي يتحصن خلفها الارهاب , ويمارس باسمها جميع صنوف التضليل المنظم , بحجة الأصالة.

 

رحم الله الملك الحسين , فقد حسم هذا الجدل المحتدم مبكرا حول هذا الامر,حين قال :إن الاسلام يستحق منا ان نتقدم نحوه, لا ان نعود اليه.

التعليق