تشريح جثة يوكوس

تم نشره في الجمعة 28 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

 أصبحت يوكوس، التي كانت ذات يوم شركة النفط الرائدة في روسيا والشركة المفضلة لدى المستثمرين الدوليين، تعاني اليوم من سكرات الموت. ففي مزاد يرى كثيرون أنه كان مرتباً على نحو مسبق، بيعت أفضل أصول الشركة إلى مزايد لم يكن معروفاً من قبل، ثم عادت الآن لتضع الدولة الروسية يدها عليها. وتستمر القشرة المتبقية في الحول ما بين الشركة ومصيرها المحتوم، وعلى الأخص بقاعة المحكمة في هيوستون بتكساس. لكن هذه المحاولات لن تعيد الحياة إلى الجثة. والمسألة المهمة الآن هي ما إذا كان اقتصاد روسيا سيشارك يوكوس نفس المصير.

 

   مع ذلك فقد يكون الضرر الذي سيلحق بالنمو الاقتصادي الروسي نتيجة لمسألة يوكوس مؤقتاً، ما لم يتكرر نفس الأداء مع شركات أخرى. ولكن هل يثبت بالفعل أن مسألة يوكوس ليست سوى قضية منعزلة كما يصر الكرملين؟ تتوقف الإجابة على هذا السؤال على مدى النجاح في قراءة دوافع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن.

 

    من بين الاحتمالات ألا يكون بوتن مخلصاً بشأن هدفه الذي أعلن عنه والذي يتلخص في مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي لروسيا خلال عقد من الزمان. ولقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن هذا هو رأي العديد من الجماهير الروسية المتشائمة. ووفقاً لوجهة النظر هذه فإن عمليات الخصخصة التي جرت في تسعينيات القرن العشرين كانت مجرد عملية خداع لم تخدم سوى القوى القادمة.

 

    لكن أي نقض لعمليات الخصخصة تلك ـ مثل مصادرة ملكية ميخائيل خودوركوفسكي وشركاه في مجموعة ميناتيب في شركة يوكوس ـ لا يدل على بزوغ فجر العدالة الاجتماعية، بل يشير إلى قدوم زمرة جديدة من الرؤساء مطلقي الصلاحية تعمد إلى "تجريد ملكية أولئك المختصين بتجريد الملكيات"، كما تعود لينين أن يقول.

 

    هناك وجهة نظر أقل نزوعاً إلى التدمير المؤسسي مفادها أن مسألة يوكوس تشير في المقام الأول إلى سلسلة من الارتجاليات انخرط فيها بوتن، وليس إلى جدول أعمال متماسك. وقد يكون هذا مطَمْئناً إلى حد ما. فهناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى أن تلك المسألة لم تنشأ في إطار مشروع منظم للتأميم، بل من منطلق فهم لدى الكرملين مفاده أن خودوركوفسكي يسعى إلى استخدام ثروته في خصخصة الدولة الروسية ذاتها.

 

    ظهر مثل هذا الاتجاه إلى الاستيلاء على الدولة في روسيا في أواخر تسعينيات القرن العشرين، بل وبلغ حداً أعظم في أوكرانيا المجاورة في ظل نظام كوتشما. ومن مفارقات القدر أن بوتن كان يحاول حماية ذلك النظام. وكان تحييد التهديد الذي يمثله خودوركوفسكي يعني حرمانه من الوسائل التي قد تساعده على تحقيق طموحاته، من خلال عزل مجموعة ميناتيب التابعة له عن تدفقات يوكوس النقدية الآتية في المستقبل.

 

    إن المطالبات الضريبية الهائلة التي فرضت على يوكوس، والتي استخدمت لتحقيق هذا الغرض، كانت على وجه التحديد تمثل الوسيلة وليس الغاية. فلو كان الهدف مجرد تحصيل متأخرات ضريبية، فلما كانت هناك ضرورة تدعو إلى تقسيم الشركة: فقد كان بوسع يوكوس أن تسدد حتى مثل هذا الدين الهائل وفقاً لجدول تقسيط معتدل.

 

   مما لا شك فيه أن مصادرة ملكية ميناتيب قد أدت إلى جعل الأسهم في شركة يوكوس عديمة القيمة فعلياً، بعد أن كانت الشركة في عام 2003 تجذب من المدخرات المحلية والأجنبية قدراً يفوق ما تجذبه أي شركة أخرى في روسيا. لكن هذا يبدو وكأنه ضرر غير مباشر من وجهة نظر من يلاحق هدفاً سياسياً طاغياً.

 

   والآن يتوقف الكثير على ما إذا كان نفس التفسير ينطبق على المحصلة الكبرى الأخرى، والتي تتلخص في الأصل الأساسي لشركة يوكوس ـ يوجانسكنيفتيجاز ـ والذي وضعت الدولة يدها عليه الآن، بينما يبدو أن المصير المحتوم لوحداته المتبقية هو التأميم. ترى هل كان هذا مجرد ناتج ثانوي عرضي للحملة ضد خودوركوفسكي، أم هو جزء من أجندة الكرملين الرئيسية؟

 

    من المؤكد أن التأميم يبدو مغرياً للزمرة القوية التي تشمل زملاء بوتن القدامى في وكالة الأمن الداخلي والاستخبارات (KGB) ورفاقه من مسقط رأسه في سانت بيترسبرغ، الذين أصبح أحدهم في العام الماضي رئيساً لمجلس إدارة روزنفت، شركة النفط المملوكة بالكامل للدولة والتي استولت على شركة يوجانسكنيفتيجاز.

 

    ولكن إذا ما كان العنان قد أطلق لتلك الطائفة التي تسمى بـِ"السيلوفيكيين" (أعضاء سابقون بأجهزة الأمن والاستخبارات الروسية)، لكانت هجمات أخرى مشابهة قد وقعت ضد شركات كبرى أخرى. وكما هو الحال الآن، فإن حتى شركة سيبنيفت التي يملكها رومان أبراموفيتش ـ والتي قد تكون أكثر الشركات عرضة للخطر بسبب ملكيتها من قِـبل أفراد من مؤيدي حكومة القِلة واستخدامها لنفس خطط تقليص الضرائب إلى أقصى حد والتي أدت إلى حل شركة يوكوس ـ لا تواجه سوى مطالبات بتسديد ضرائب متأخرة. وعلى النقيض مما حدث مع يوكوس، فإن تلك المطالبات لا تتجاوز السيولة النقدية التي تمتلكها الشركة وبالتالي لا تشكل تهديداً لوجودها.

 

   وحتى تأميم أصول شركة يوكوس قد لا يعكس سوى ما يزيد قليلاً على غياب المشتري البديل، نظراً للعقبة السياسية الواضحة المتمثلة في تمرير هذه الأصول إلى لاعبين محليين آخرين من القطاع الخاص (أو بعبارة أخرى حكومة القلة)، علاوة على الحواجز القانونية والعوائق المرتبطة بسمعة المستثمرين الأجانب.

 

    وعلى هذا فإن التفسير الأنسب للحقائق حتى الآن يتلخص في أن الهدف السياسي من فصل خودوركوفسكي وميناتيب عن يوكوس قد أدى في واقع الأمر إلى التأميم، لكن هذا لم يكن الهدف الأساسي وراء عملية الفصل. ولا وجود لضوء أخضر يسمح للانتهازيين المفترسين داخل وحول أسوار الكرملين، والذين يسيطرون الآن على يوجانسكنيفتيجاز، باغتصاب أصول شركات أخرى تبعاً لمشيئتهم. وإذا كان الأمر كذلك فإن الضرر المترتب على مسألة يوكوس لابد وأن يكون في النهاية ضئيلاً للغاية.

 

    ولكن حتى إذا افترضنا أن بوتن لا يخطط لتأميم شركات الموارد الطبيعية الرئيسية، فمن الواضح أنه يرغب في فرض سيطرة الدولة بقوة على "الصروح الشامخة" للاقتصاد. ولسوف يؤدي هذا في حد ذاته إلى هبوط الناتج المحلي الإجمالي إلى ما دون مستوياته الممكنة، بسبب تدني معدلات الإنتاجية وتفشي الفساد في الشركات الكبرى التي تسيطر عليها الدولة أو تفرض عليها نفوذها على نحو ثقيل.

 

    في خطاب ألقاه بمناسبة الاحتفال بمرور عشر سنوات على إنشاء جازبروم، وهي الشركة التي تحتكر إنتاج الغاز والتابعة للدولة، بادر بوتن إلى الإعلان عن موقفه بوضوح حين تحدث عن الشركة باعتبارها واحدة من مصادر القوة الجيوبوليتيكية القليلة المتبقية لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وقد كان من الممكن احتواء أسباب انشغال بوتن ومخاوفه الجيوبوليتيكية من خلال الحفاظ على ملكية الدولة للبنية الأساسية من خطوط أنابيب قطاع الهيدروكربونات، مع السماح لشركات القطاع الخاص بالقيام بعمليات الاستخراج، والمعالجة، وبيع إنتاج روسيا من النفط والغاز. ولكن بوتن بدلاً من هذا سمح لإدارة شركة جازبروم بتجميد مقترحات حكومته بشأن الفصل الواجب منذ مدة طويلة بين أسعار السلع والخدمات التي تقدمها الشركة.

 

    لقد سعى بوتن إلى إحداث تحول اقتصادي في روسيا شبيه في النوع وإن لم يكن في الحجم للازدهار الذي تشهده الصين. والجائزة التي تنتظره، إذا ما نجح في هذا، تتمثل في رفع مستويات معيشة الشعب الروسي الذي عانى طويلاً، واستعادة روسيا لمركزها على المستوى الدولي. وعلى الرغم من عدم اليقين بشأن نوايا بوتن، إلا أن تلك الجائزة ليست بعيدة المنال. والحقيقة المؤكدة عند هذه النقطة هي أن التصرف الوحيد الذي قد يفوق في ضرره مسألة يوكوس هو أن تتكرر مسألة يوكوس مع شركات أخرى.

 

دبلوماسي بريطاني سابق وزميل "كلية كل الأنفس" بجامعة أكسفورد، وهو كبير واضعي الإستراتيجيات للبنك الاستثماري الروسي "المجموعة المالية المتحدة".

خاص بالغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

ترجمة: إبراهيم محمد علي          

التعليق