إصلاح الحكومات

تم نشره في الخميس 27 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

في الاطار النظري العام فان نقطة البداية وجوهر اي عملية اصلاح لمؤسسة الحكومة ان تبقى هذه المؤسسة صاحبة الولاية في ادارة شؤون الدولة كما نص الدستور, وهذا يعني ان تبقى الحكومة كيانا سياسيا حقيقيا, كامل المواصفات والصلاحيات, بعيدا عن اي عمليات تفكيك لمفاصلها تحت اي تبرير او افكار اصلاح.

 

وفي عالم افكار التشتيت والتفكيك المنتشرة في العالم فان هناك من يرى ضرورة تحويل الحكومات الى ادارة لشؤون البلاد في الدولة, ويبنى على هذه الافكار السعي الى تحويل موقع رئيس الحكومة الى مدير للحكومة او في احسن الاحوال الى "رئيس الوزراء" اي المسؤول الاول عن طاقم الوزراء, وهذا يعني ايضا ضرورة السعي لتخفيض مواصفات هذا الموقع في الدول, فلا يشترط في الشخص المؤهل لهذا الموقع التجربة السياسية الواسعة, او  القدرة على قيادة البلاد في مختلف الظروف, كما ان هذا المعسكر في العالم يرى في تخفيض هذه المواصفات فرصة لبناء حالة ضعف في رأس هرم الحكومات لمصلحة تيارات او مجموعات في كل حكومة يسهل عليها تمرير برامجها ومصالحها, او حتى ان تكون هذه المجموعات ذات النفوذ الحقيقي في ادارة شؤون البلاد حتى وان كان كرسي ادارة الاجتماعات لشخص رئيس الوزراء او كما يسمونه فيما بينهم "مدير الحكومة".

 

وخطورة هذا الطرح المتداول في بعض الدول انه يحمل بذور تفكيك مؤسسات الدولة ككيان سياسي, وتفتيت المفردات الهامة في بنية الدول والمجتمعات, ويعود هذا الى الايمان بان الاوطان تدار وفق قواعد ادارة الشركات ووفق منطق العمولات والصفقات, وفرق كبير بين ادارة الاوطان وحكم الدول وادارة شركة حتى وان كانت كبيرة او تحمل رموز الدول, لكن زيادة منسوب نفوذ المؤمنين بهذه الطروحات في العديد من المجتمعات, وحملهم ألوية الاصلاح والانقاذ السياسي والاقتصادي اعطى لأفكارهم فرصا للنجاح وبخاصة انهم يقدمون انفسهم لليبرالية الامريكية باعتبارهم وكلاء مشاريع الاصلاح والحريات الديمقراطية وحقوق الانسان.

 

ومعظم افراد هذا التيار المنتشرين في العالم لا يؤمنون بعلاقة حقيقية مع فكرة الاوطان, فالوطن ليس اكثر من مجموعة علاقات وفرص ونفوذ, وكل هذا يمكن تخزينه في الكمبيوتر الشخصي الذي يحمله الانسان في سفره, ويغيب عن هؤلاء ان المجتمعات والدول ليست مجموعة ارقام ونسبا صماء او مضللة, وان الشعوب ليست كادرا وظيفيا في اوطانها, لكنها الغربة عن المكان والقيم. ولو كان هذا المنطق سليما لما رأينا شهيدا يقدم روحه في عملية استشهادية ضد الاحتلال في فلسطين او العراق, ولما رأينا متبرعا يخرج امواله صدقة للفقراء, ولما كانت هناك فكرة الامومة والتضحية والكرم.

من الطبيعي ان ينظر المواطن في اي دولة بعين الريبة الى اي عملية تفكيك لمؤسسات الدول وعلى حساب رموز الاوطان والحكومات حتى وان اختلفت معها شعوبها يجب ان تبقى قوية ذات سلطة يقودها اصحاب خبرة وكياسة وايمان بهذا الوطن او ذاك, فالحكومات ليست ادارات بل مظلة وطنية, تماما كما هو الجيش في كل بلد رمزا للقوة والسيادة ولا يمكن التعامل مع هذه الرمزية بمنطق التكاليف والارباح, فلحظة شدة على اي وطن يحتاج فيها الى جيشه ورجال امنه لا تقاس بكل اموال الدنيا ولا يمكن ان تجد لها معادلة في كل كمبيوترات رجال الاعمال ومعسكر الصفقات والعمولات في العالم.

التعليق