عملية سلام وليس مباراة كرة قدم

تم نشره في الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

ينتظر المراقبون نتائج محادثات الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع فصائل المقاومة بكل الاهتمام. تلك النتائج هي التي تقرر الخطوة التالية: ان تم الاتفاق على الهدنة المطلوبة دولياً, والتي ترتكز عليها كل استراتيجية الرئيس الفلسطيني, سيواجه عباس الرباعية وواشنطن واسرائيل والاوروبيين ويقول لهم ها نحن قمنا بالمطلوب منا فما انتم بعد ذلك فاعلون. وان اخفقت مساعي الرئيس الفلسطيني فسيلقي الجميع باللوم والمسؤولية على الجانب الفلسطيني وسيدينونه بأنه اضاع فرصة اخرى وافشل مشروع عباس.

 

المشكلة ان الطريق الذي اختارته القيادة الفلسطينية الجديدة لم يكن الافضل ولا الاسلم ولا الاضمن. فهو يؤكد سلبيات كثيرة منها ان محمود عباس يقبل بشركاء له في مسؤولية قيادة الشعب الفلسطيني ويتفاوض معهم, بينما تمنحه شرعية انتخابه حق القرار باسم الفلسطينيين جميعاً، ومنها ايضاً ان وضع الهدنة المطلوبة فلسطينياً في مقدمة متطلبات احياء عملية السلام, يقر ضمناً بأن العنف, (او كما اصطلح على تسميته الارهاب) الفلسطيني هو المسؤول فعلاً, وهو المسؤول وحده, عن تدهور اوضاع المنطقة, بينما المفروض ان العنف هو مسؤولية الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني, ويجب ان يعالج بالتالي على اساس التبادلية: وقف العنف وليس هدنة من طرف واحد, ناهيك عن ان الطرف المطلوب منه التهدئة هو الطرف الضعيف القابع تحت نير الاحتلال, والمعرض لكل انواع القمع والقتل والاغتيال والتشريد والحصار.

 

مهمة الرئيس الفلسطيني, وقد اختار طريق حصر المسؤولية في الجانب الفلسطيني لن تكون سهلة، فإن تمكن من تحقيق الهدنة مقابل اشراك فصائل المعارضة في العملية السياسية, سيجد نفسه وجهاً لوجه امام مطالب اسرائيلية واميركية جديدة بتصفية تلك المنظمات "الارهابية" وليس باصباغ الشرعية السياسية عليها بشمولها في الاطار الفلسطيني الرسمي. كما انه لن يكون من السهل ان تلزم اسرائيل نفسها بوقف العنف من جانبها. وان فعلت فهي دائماً تستثني لنفسها حق التصرف في حال ضرورة "وقف عملية ارهابية". وبامكان اسرائيل كما تعودنا ان نسمع منها, ان تدعي ان اية عملية اغتيال قد تحدث في ظل الهدنة المرتقبة, ان تحققت, اوجبتها ضرورة منع عملية كانت رهن التنفيذ.

 

ثمة طريق اخر، وهو المطالبة الفلسطينية فوراً بتنفيذ بنود خارطة الطريق. ومن ابرز مزايا خارطة الطريق يو ان الاجراءات المطلوبة بموجبها من الجانبين متوازية وليست متتالية, كما تصر اسرائيل على ذلك دوماً, اي ان ينفذ الفلسطينيون المطلوب منهم اولاً, ثم يضعون كل العراقيل الممكنة في وجه ذلك.

 

بامكان الرئيس الفلسطيني ان يواجه المجتمع الدولي بأسره بالقول انني كرئيس منتخب اطالب بالمباشرة فوراً بوقف الاستيطان وانسحاب اسرائيل من المناطق الفلسطينية التي اعادت احتلالها بعد 28 ايلول2000 والمفروض ان يتخذ الرئيس الفلسطيني قراره بموجب السلطات الممنوحة له, وبموجب السلطات المنوطة برئيس وزارته وحكومته ومجلسه التشريعي: المفروض ان يتخذ قراره بوقف شامل ودقيق لاطلاق النار كجزء من الالتزام بتنفيذ خارطة الطريق وبالتزامن مع الاجراءات المطلوبة من الجانب الاسرائيلي. في تلك الحالة لن يكون الرئيس الفلسطيني بحاجة ان يرهن قراره بموافقة فصائل المعارضة, التي ستسقط حجتها في جعل الهدنة مشروطة بالالتزام الاسرائيلي المقابل, لان ذلك الالتزام سيكون شرط القيادة وليس شرط المعارضة فقط.

 

حتى لا يظل التعامل مع عملية السلام وكأنها فعلاً مباراة كرة قدم والجانب الابرع هو الذي  يتمكن من القاء الكرة في ملعب الجانب الاخر, وحتى لا يتقلص الهدف الاسمى والهدف الاكبر لمجرد القاء الكرة في الجانب الاسرائيلي بمجرد التوصل لاتفاق فلسطيني على هدنة, يجب ان تطرح الامور بشكل اكثر جدية, المطلوب عمل وليس مناورات, والمطلوب ان تتحول خارطة الطريق الى خطة عمل وليس الى وسيلة مماطلة وعقار للتهدئة.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق