قراءة في كتاب يهود مصر من الازدهار الى الشتات

تم نشره في الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

     لا تكمن أهمية كتاب الدكتور محمد أبو الغار - الصادر منذ أيام عن دار الهلال فقط في كونه يحكي قصة يهود مصر في العصر الحديث، في ظل ندرة المراجع العربية عن هذا الموضوع الحساس والغامض، وإنما أيضا في أنه جهد باحث على مدى سنوات اعتمد في مصادره على مجموعة كبيرة من الإصدارات العربية والإنجليزية والفرنسية عن يهود مصر بالإضافة إلى ما نشرته مجموعة كبيرة من الصحف اليهودية التي كانت تصدر في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، إلى جانب اللقاءات التي أجراها أبو الغار مع يهود مصريين يعيشون في جنيف وباريس وفلوريدا ومصر.

 

    استهل المؤلف كتابه بتوضيح دافعه وراء تأليف الكتاب، فعندما كان يدرس في السنة الأولى بكلية الطب حدث العدوان الثلاثي عام 1956 على مصر. "وفي تلك الفترة حدثني والدي كثيرا عن اليهود المصريين الذين زاملهم في الدراسة والعمل، ومنهم رئيسه لفترة طويلة في البنك مسيو بتشوتو، وهو من عائلة سكندرية يهودية قديمة وشهيرة، وكان دائما يذكر عنه كفاءته وأمانته، وفي السنة التالية للعدوان حدثت الهجرة الكبرى لليهود المصريين مما أثار أحاديث ذات شجون مع أبي الذي كان أول من أفهمني أن اليهود المصريين ليسوا طائفة واحدة متجانسة، وإنما مجموعة من الطوائف بينهم اختلافات كبيرة جدا وتوحدهم فقط الديانة اليهودية.. وطوال تلك السنوات كنت أفكر في اليهود المصريين، وكان السؤال الذي يشغلني هل كانوا مصريين فعلا؟ وإذا كانوا كذلك فلماذا تركوا الوطن؟ هل تركوه طواعية أم تحت ضغوط؟ وهل حدثت هذه الضغوط من مصر حكومة؟ أم شعبا؟ أم من إسرائيل؟ أم من الصهيونية العالمية؟ أم لم يكن هناك ضغط أصلا وهم الذين فضلوا الرحيل؟ شجعني علي ذلك أنه لا توجد دراسات مصرية عما حدث لليهود المصريين في المهجر أيا كان مكان انتقالهم، وماذا قالوا عن مصر؟ وماذا كان شعورهم نحوها؟ وهل اختلف هذا الشعور في مختلف الفترات الزمنية اللاحقة؟ وماذا يذكرون عنها؟ هل يشتموننا؟ هل يكرهوننا؟ هل يحبوننا ويحملون في قلوبهم ذكريات جميلة عن حياتهم في مصر؟ كل هذه الأسئلة لم أقرأ إجابة عنها في الدراسات العربية وسوف أحاول – والكلام لا يزال للدكتور أبو الغار- أن أجيب عنها في هذا الكتاب".

 

     الغريب والمثير للإعجاب في الوقت نفسه أن المؤلف وعقلية الباحث المنظمة خرجا عن التقسيم التقليدي لليهود كشرقيين "سفارديم" وغربيين "اشكنازيم"، حيث قسمهم أبو الغار في مصر إلى: اليهود الشرقيين الذين قطنوا بلاد الشرق لفترات طويلة، ويدخل في جملتهم اليهود الذين طردوا من أسبانيا في نهاية القرن الخامس عشر واستوطنوا بلاد البحر المتوسط ومنها مصر، وهؤلاء يطلق عليهم اليهود السفارديم، وهناك طائفة اليهود الأشكيناز، وهم اليهود الذين قدموا إلي مصر والشرق عموما من شرقي أوروبا، موضحا أنه عند الحديث عن طائفة السفارديم، سوف يقسمها إلي جزأين الأول أطلق عليه اليهود "المصريون الأصليون" وهم الذين عاشوا في مصر على نحو متصل قرونا طويلة. والجزء الثاني هم اليهود "السفارديم" الذين هاجروا إلى مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

 

    ويعتبر أبو الغار أن اليهود المصريين الأصليين هم اليهود الذين عاشوا علي أرض مصر أجيالا متعددة، تكلموا بلغتها وتشربوا عاداتها وتسموا بأسماء أبنائها ونالهم من الأذى ما نال المصريين وتحسنت أحوالهم كلما عم رخاء نسبي في مصر، موضحا أنه أخذ بهذا التعريف الذي لا يخضع لقانون علمي واضح ومحدد، لأنه يرى أن اليهود القرائين وبعض اليهود الربانيين عاشوا في مصر قرونا طويلة جدا، وكانوا يتكلمون العربية مثل كل المصريين، ومنهم الفقراء ومتوسطو الحال وبعض الأغنياء، وقد خرج منهم العمال والحرفيون والبائعون المتجولون وأصحاب المحلات في الأزهر الذين كانوا يلبسون الجلباب البلدي والطربوش والفنيون في الصاغة، ومنهم الملحنون والموسيقيون والمغنون والصحفيون والشعراء والزجالون والممثلون والأطباء والمحاسبون، وقد تكلموا العربية فقط، إلا من حصل منهم علي قدر من التعليم مثلهم مثل باقي المصريين تماما. لذا فإن طائفة القرائين تعد مصرية صميمة، لكنها تدين بالديانة اليهودية، وكانت هذه الطائفة أقل الطوائف تعاطفا مع الصهيونية، باستثناء أفراد قلائل اختلطت عندهم مبادئ الصهيونية بالديانة اليهودية، لكن الأغلبية منهم لم تبتعد عن شعورها بالمصرية باستثناءات نادرة.

 

     ويقدر عدد اليهود المصريين الأصليين الذين عاشوا في مصر قرونا طويلة بنحو10 آلاف شخص، أي نحو 15 بالمئة فقط من الجالية اليهودية، وعاش معظمهم في حارة اليهود وبعض مدن وسط الدلتا وكان معظم أفراد هذه الجالية الأصلية يشتغلون عمالا حرفيين، وكانوا في الأغلب من الفقراء. والكثير منهم كان دون عمل مستمر، وكان البعض يعيش على معونات الأثرياء من الجالية أو المؤسسات الخيرية، كما كان بعضهم شحاذين.

 

    وكان اليهود المصريون الأصليون لا يختلفون في شيء عن عامة الشعب المصري، لا في اللغة ولا الشكل ولا المظهر، ولم تكن لغتهم العربية تحمل أية لكنة أو لهجة مختلفة، وكانوا أولاد بلد حقا. لكن يبدو أنه لم يكن يوجد اختلاط اجتماعي كبير بينهم وبين المسلمين والأقباط خارج نطاق العمل، وعاشوا في حارة اليهود التي لم تكن بأي حال جيتو مثلما حدث في أوروبا الشرقية، لكنهم كانوا في الكثير من الأحيان يرسلون أولادهم إلى المدارس اليهودية الممولة من أغنياء اليهود.

 

    ولم تكن حارة اليهود حكرا علي اليهود، بل كان يسكنها المسلمون والأقباط ولم يكن يهود الحارة وهم المصريون الأصليون ممثلين بأي وضع في الطائفة اليهودية أو قيادتها في مصر ولم يكونوا أيضا ممثلين في أي مجلس محلي وقد تم تهميشهم على يد أغنياء الطائفة من اليهود الذين وفدوا حديثا على مصر.

 

     أما يهود الدلتا فقد كانوا ممثلين، ولهم مكانة في المجتمع المحلي، برغم أعدادهم القليلة، وكانت أماكن سكناهم تسمى في هذه القرى والمدن تل اليهود أو خوخة اليهود وجدير بالذكر أنه كان هناك تقارب بين الجماعة اليهودية المصرية الحقيقية ومجموعة أخرى من مهاجري المغرب وعدن كانوا أيضا فقراء، وعاشوا في السواحل التي هبطوا عليها مثل السويس وبورسعيد والإسكندرية، واستطاع اليهود المهاجرون من هذه المجموعة من الفقراء الأميين الجهلة في خلال جيل واحد أو اثنين التحول من مجموعة شرقية التفكير والتكوين إلى مجموعة مماثلة لليهود الكوزموبوليتان، فتركوا اللغة العربية والثقافة العربية جانبا وانطلقوا مع اللغات والثقافات الغربية.

 

    وعن علاقة النخبة المثقفة باليهود خلص الدكتور أبو الغار إلى أن اليهود كان لهم تواجد بسيط في المجتمع الثقافي، وأن الشعب والحكومة والمثقفين المصريين لم يظهروا أي عداء لهم حتى قيام دولة إسرائيل، أو قبل قيامها ببضع سنوات على أقصي تقدير وحيث أن اليهود المصريين كانوا مجموعات مختلفة الثقافة واللغة والأصل والعلاقة بمصر تاريخيا، وكانت ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية متفاوتة إلى حد كبير، فإن المجموعة الوحيدة التي كانت تجيد اللغة العربية وتحمل نفس الموروث الثقافي للمصريين هم فقراء اليهود والشريحة السفلى من الطبقة الوسطى، أما باقي اليهود فلم يكن عندهم ارتباط باللغة أو الثقافة، وبالتالي كانت علاقتهم بالسياسة تتمثل في الحفاظ على مصالحهم.

 

    وينتقل الكتاب لرصد أحوال يهود أوربا وانتقال أعداد منهم لمصر وهم الذين اطلق عليهم أبو الغار اليهود السفارديم، ويقصد اليهود المنتشرين في حوض البحر الأبيض المتوسط الذين تجنسوا بجنسيات أوروبية، أو أصبحوا من رعايا الدولة العثمانية بعد طردهم من أسبانيا، وعاشوا فترات طويلة في هذه البلاد قبل هجرتهم إلى مصر، لينضموا إلى اليهود المصريين الأصليين الذين هم –أيضا- من السفارديم، لكنهم من أصول شرقية قديمة وبهذا أصبح اليهود السفارديم يجمعون بين فئات وثقافات مختلفة، وأوضاع اجتماعية واقتصادية متباينة للغاية.

 

     وكانت الهجرات من اليهود السفارديم وهم الذين قدموا إلى مصر في القرن التاسع عشر يحملون تعليما وثقافة وخبرة بالتجارة واتصالات دولية أكبر وأقوى بكثير من خبرات اليهود المصريين، فسرعان ما أصبحوا هم قيادة الطائفة في مصر، وكونوا ثروات طائلة في فترات قصيرة، و قد اندمجت هذه الطبقة تماما في طبقة الباشاوات وكبار ملاك الأراضي ورجال الأعمال الوطنيين المصريين، وكانوا شركاء لهم في كثير من الأعمال، ويعتقد المؤلف أن جانبا كبيرا من يهود هذه الطبقة كانوا يحبون مصر، لأنها أعطتهم الأمان والحب والتقدير وتحقيق مكانة في المجتمع وفي جمع المال، وهو ما كان من الصعب تحقيقه في شمالي حوض البحر المتوسط في وسط المنافسة الأوروبية، وكان من المستحيل أن يتحقق لهم هذا النجاح الاقتصادي الكبير إلا بهذا الهامش الواسع من الحرية الذي فاق الحرية التي كانت ممنوحة لأقرانهم المصريين إلا أنهم كانوا يعرفون بوضوح ويعون أن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يتعارض مع مصالحهم الشخصية، لأنه لم يكن ممكنا أن تستمر مكانتهم المتميزة في مصر في ظل إنشاء دولة إسرائيل، لذا كان معظم يهود هذه الطبقة يعدون مصر مكانهم المفضل، وكانت الصدمة شديدة للمصريين عندما علموا بعنف المستوطنين اليهود في معاملة العرب الفلسطينيين وطردهم من ديارهم، وقد اجتاحت المظاهرات فلسطين، وانتقلت منها إلي القاهرة ومدن عربية أخرى في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين، والتي بدأت تدق أول مسمار حقيقي في نعش علاقة اليهود بالشعب المصري، وتزامن ذلك مع ظهور قوتين جديدتين في المجتمع المصري هما الإخوان المسلمون ومصر الفتاة، وقد أظهرت كلا القوتين عداء شديدا، ليس فقط للصهيونية، وإنما لليهود بصفه عامة، واليهود المصريين بصفة خاصة، وبالرغم من أن تأثير هاتين القوتين لم يكن كبيرا في ذلك الوقت مقارنة بالحزب الليبرالي الكبير الوفد إلا أن صوتهما كان زاعقا، كما كانت أفعال الصهاينة في فلسطين رهيبة، لذا صادف موقفهما صدى كبيرا في الشارع المصري.

 

     وكان اليهود الأشكيناز لا يعرفون العربية ولا يريدون أن يعرفوها، وهؤلاء نتاج الاضطهاد الأوروبي الذي أدى إلى توحش الفكر الصهيوني، ومعظم هذه الطائفة جاءت إلى مصر لتعيش وتعمل بصفة مؤقتة، وعينها وقلبها على فلسطين، ولم تشعر أبدا بانتمائها إلى مصر، أو حتى بالامتنان لهذا الوطن الذي استضافهم، وكانت هذه الطائفة هي التي كونت في السنوات الأولي لهجرتها خلايا صهيونية في مصر، وهي التي كانت على اتصال دائم بالمستوطنين اليهود في فلسطين، وهي التي ألبت وشجعت وحرضت الطوائف الأخرى من اليهود علي نسيان مستقبلهم في مصر والتفكير فقط في اسرائيل، وهي التي ساهمت في العمليات التخريبية وآوت الصهاينة الإرهابيين القادمين من فلسطين. وكثير من اليهود الأشكيناز وفدوا إلى مصر أثناء الحرب العالمية الأولى، وفي فترة ما بين الحربين العالميتين حين بدأ تعاظم القوى النازية والفاشية في شرق ووسط أوروبا، ومعظمهم حصل على وظائف في الشركات الأجنبية في مصر، والكثيرون منهم لم يتعلموا العربية ولم يختلطوا بالمصريين ومع هذا فقد كان من الغريب أن الأشكيناز كانوا أكثر وعيا بأهمية الحصول على الجنسية المصرية، فحصل الكثيرون منهم عليها بسهولة، على عكس كثير من السفارديم الذين أقاموا في مصر لعدة أجيال، ولم يرغبوا في الحصول على الجنسية المصرية.

 

    ويؤكد كتاب يهود مصر، بموضوعية، أنه لم يتضرر أحد من أصحاب الأعمال والمحال التجارية الكبرى من يهود مصر، فبعد أن استفادت عائلات شيكوريل وموصيري وقطاوي من علاقاتها مع الساسة المصريين وكونوا ثروة كبيرة شعروا مع تغير القوانين في مصر لصالح "المواطنين الذين يحملون الجنسية المصرية ويحرصون عليها" قرروا تصفية أعمالهم وبالفعل باعوا متاجرهم وممتلكاتهم، أي أنهم حكموا على أنفسهم بالشتات من بعد الإزدهار في مصر.

 

    ومن النتائج المهمة لبحث الدكتور أبو الغار أن سبب عدم تأثير المصريين حاليا كطائفة داخل إسرائيل –على غرار طائفة يهود العراق أو يهود اليمن أو المغرب- يرجع إلى أن اختلاف ثقافات ومذاهب اليهود المصريين وانتماءاتهم الطبقية، وإن كان قد جمعهم الدين والوضع المتميز داخل المجتمع المصري. وعند الإجابة على السؤال لماذا خرجوا من مصر؟ قال أبو الغار كان من الأسباب المهمة قيام دولة إسرائيل، لكنه لم يكن السبب الرئيسي، فقد هاجر إلى الخارج عشرون بالمائة فقط من اليهود المصريين وذهب أقل من نصفهم إلى إسرائيل، خلال السنوات من 1946 حتى عام 1956لأنه تم إلغاء الامتيازات الأجنبية، ومع منح أفضلية للمصريين في قوانين العمل، وحيث أن معظم اليهود كانوا يحملون جنسيات اجنبية أو بدون، فقد وجدوا صعوبة في العثور على وظائف، أما الأغنياء من اليهود فقد لاحظوا أن الدولة تحد من سلطة رأس المال الخاص. وخلال تلك السنوات ضغطت إسرائيل على اليهود المصريين، ليهاجروا من وطنهم عن طريق القوة الهائلة للصهيونية العالمية، وعن طريق إثارة الفتنة والكراهية ضدهم من الشعب المصري، بأحداث مثل فضيحة لافون التي حرضت فيها الموساد بعض اليهود المصريين على القيام بتفجيرات وعمليات إرهابية على أهداف مدنية في مصر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكر (صبره جابر)

    الثلاثاء 20 أيار / مايو 2014.
    جهد مشكور ومجهود رائع