النقابات المهنية بين المهننة وحرية التعبير عن الرأي

تم نشره في الاثنين 24 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً


     للحقيقة مثلت النقابات المهنية مرحلة مشرقة في تاريخ المملكة في الحاضر والماضي، وهي فترة الأحكام العرفية، التي جمد فيها النشاط البرلماني، وصودرت فيها حرية التعبير عن الرأي، ومنع فيها العمل الحزبي ( حينما أطلق العنان للمقولة الشهيرة أن تأخذ كامل مداها بتهميش النشاط الحزبي "من تحزب خان" وها نحن ندفع ثمنا باهظا لتبعاتها)، وقتئذ مثل مجمع النقابات منبرا وبؤرة للنشاط الفكري الوطني، إلى جانب اضطلاعه بمهامه في الجوانب المهنية المختلفة.
     وإذ أقدّم هذه الموضوع، فليس انتقاصاً من دور الحكومة، فالحكومة (كمؤسسات) قد قدمت بدون أدنى شك إلى وطننا الغالي الكثير من العطاء والمنجزات الكبيرة، والمرافق الخدمية المختلفة؛ وليس من قبيل الانحياز للنقابات، فأنا لست من أعضاء أي من هذه النقابات، بحكم تخصصي العلمي (بعلم الاقتصاد) الذي ليس له أية صلة بأي من النقابات المهنية، كما وليس لي أية مصلحة أو منفعة أو غاية حالية أو مستقبلية عند أي من تلك النقابات، بل أن رأيي في هذا الموضوع ليس إلا ذِكراً للحقيقة حيال أزمة تستهدف بعضا من مؤسسات الوطن المهمة، وهي النقابات المهنية،  التي بيقيني أنها لم تبخل ولم تتوانَ هي وأعضاؤها في يوم من الأيام عن خدمة وطننا ورفده بكل طاقاتها وخبراتها التقنية والعلمية ومواقفها الوطنية النبيلة والرائدة.
    وإذ يراقب المرء انعكاسات الموقف الحكومي غير الودي واستخدامها لنفوذها وسلطتها ضد النقابات المهنية، فإنه لا يجد ما يبرر ذلك تجاه نقابات شكلت وتشكل جزأ من مؤسسات الوطن المهمة، وبيوت خبرة للكثير من التخصصات المهنية العلمية، التي ينتسب إليها ما ينوف عن المائة ألف عضو، حيث يشكلون قاعدة جماهيرية عريضة، وإذا ما أخذنا تأثير هذه القاعدة في محيطها الأسري القريب من كل عضو من أعضائها، فستتضاعف قاعدة تأثير هذه النقابات في أوساط المجتمع؛ وأمام هذا الوضع بالغ الحساسية، يجدر بالحكومة أن تتصرف مع هذه النقابات بالكياسة اللائقة والأساليب الحكيمة والرزينة المؤدية لتعبئة طاقات الوطن نحو خدمة مثلى، لا أن تحاول الحكومة بأساليب قد تكون استفزازية وغير محسوبة الأبعاد وغير المستندة إلى أسباب مقنعة ومنطقية للبعض، أن تضع النقابات ومنتسبيها على نحو قسري في الاتجاه المناوئ للحكومة، وكأن ذلك يمثل هدفا بحد ذاته.
    لقد ساهمت النقابات وأعضاؤها في خدمة الأردن ونهضته التنموية في المجالات الصحية والهندسية والقانونية والزراعية، وهي التي تضم في صفوفها شريحة من متعلمي الأردن ومثقفيها، يتوزعون على مختلف التخصصات العلمية في الهندسة والطب وطب الأسنان والمحاماة والزراعية والصيدلة؛ هذه المهن التي حقق الأردن فيها تقدما ملحوظا قياسا بالكثير من دول العالم النامي، وبالتالي لا يوجد مآخذ على أداء النقابات في الجوانب المهنية، حيث يسارع البعض لدعوتها للكف عن التعاطي مع قضايا الأمة السياسية، والاكتفاء بالتركيز على الجوانب المهنية، والتي باعتقادي أن النقابات قد نجحت على نحو قد يكون مقبولا في خدمة أعضائها مهنيا، وقد حققت لهم الكثير من الامتيازات والمكتسبات، في مقدمتها العلاوات الاستثنائية التي تصرفها الحكومة لأعضائها من الموظفين بحكم تخصصاتهم العلمية، والرواتب التقاعدية الممنوحة من النقابات مباشرة، والقروض الميسرة والتأمين الصحي المتطور، والإمتيازات والتسهيلات العقارية، بالإضافة للكثير من المؤتمرات والندوات والدورات العلمية المتخصصة التي تعقدها كل ضمن اختصاصها العلمي والمهني.
    فما يأمله كل مراقب حريص على مصالح وطننا، هو أن لا تنزلق الحكومة في مخالفة مضامين الدستور التي كفلت حرية التعبير عن الرأي.
    وما دامت منطقتنا العربية ومنها الأردن ترفع شعار الإصلاح السياسي والاقتصادي، فعلى حكومتنا الرشيدة أن تنسجم مع مضمون هذا الشعار، وأن توسع صدرها وتستفيد من التجارب العالمية في مجال الديموقراطية وتقبل الرأي والرأي الآخر، وليس أدل على ذلك مما شاهدناه أثناء الاحتفال بتنصيب الرئيس الأمريكي لفترة رئاسة ثانية، فبينما كانت قاعة الاحتفال تحتشد بالآلاف من مؤيدي الرئيس الأمريكي، فقد كانت الساحات الخارجية تغص بالمعارضين والمتظاهرين والمناهضين للسياسة الأمريكية الخارجية وللرئيس الأمريكي بوش، ومع ذلك لم ينتقص تصرف المعارضة الأمريكية من استقرار وأمن الولايات المتحدة، ولم تمنع الجهات الأمنية الأمريكية أولئك المعارضين بحجة ممارستهم "لنشاط سياسي" يمس أمن واستقرار الولايات المتحدة، على غرار ما يحدث في بلادنا حينما يفسر أي إبداء للرأي الآخر بأنه يمس أمن واستقرار الوطن.   
     فما يهدد امن واستقرار الوطن ليس عقد هذه الندوة السياسية حول هذا الموضوع أو ذاك مما يتعلق بشؤون امتنا التي تعيش أحلك أوضاعها، بفعل ما يحاك لها من مؤامرات ومخططات مريبة، وبالتالي فإن التعددية السياسية وتعددية المواقف والآراء، إنما تشكل دعامة قوية للحكومة في تعاملها ومفاوضاتها مع الأطراف الدولية التي تتعامل مع قضايانا في فلسطين والعراق وسائر بؤر التوتر في عالمنا العربي، بدلا من ظهور المفاوض الأردني وكأنه يمثل دولة سهلة المنال والاستقطاب، كونها ذات مؤسسات وشعب سهل قولبته في أي قالب تريده الحكومة، وهو ما يتعارض مع التوجهات العالمية نحو تعزيز الديموقراطية والتعددية وحرية التعبير عن الرأي وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني التي تشكل النقابات والنقابات المهنية أبرز أركانها.
    في المقابل ، وإن كان للنقابات حق التعبير عن آرائها ومواقفها ، وهي التي جسدت إحدى صور الديموقراطية منذ عشرات السنين ، فإن ابسط مبادئ العمل الديموقراطي تقتضي احترام الرأي الآخر ، وعدم التزمت والغلو في فرض مواقفها وأجندتها على الأطراف الأخرى كالحكومة أوالمجموعات والاقليات التي لها تمثيل في جسم النقابات ، لكنه ضعيف بسبب ضجة أصحاب الصوت العالي الذين يملكون اجندات خاصة ، والذين يجدون انفسهم ملزمين لمسايرة هذا التيار الدولي الجارف ، الذي باعتقادي أن ليس لدولة من دول العالم الثالث القدرة على مواجهته عكسيا بمفردها حتى لو كان مخالفا لتوجهاتها ورغباتها الذاتية ، كما نأمل من مجالس النقابات التعامل الدبلوماسي المرن الذي لا يلغي مواقفها الذاتية ، وأن تعطي بعض جوانب عملها المهنية بعض الاهتمام كموضوع الأخطاء الطبية والتدريب ، ومعالجة جوانب البطالة والدخول مع المجتمع في جهود خدمته وتقديم العون اليه .
     وأخيرا ما يحتاجه وطننا، هو أن تتفهم النقابات والحكومة حركة المجتمع، بعيدا عن التزمت والوصاية السلبية، وان تمد جسور التعاون الودي، والتفاهم البناء، مع مؤسسات الوطن وفعالياته المختلفة، طالما أن ذلك لا يشكل خروجا على ثوابت الدستور.  
 

التعليق