علم "الطغيان والفساد"

تم نشره في السبت 22 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

يحفل تاريخ البشرية بنماذج من الطغيان والاستبداد، وقد عني الفكر الإنساني بهذه الظاهرة وألف عبد الرحمن الكواكبي مبكراً كتابه المشهور "طبائع الاستبداد، ومصارع الاستعباد" وتعرض للظاهرة أيضاً معظم المؤرخين والعلماء العرب كما في "سلوك المالك في تدبير الممالك" "لابن أبي الربيع" و "الأحكام السلطانية" "للماوردي" ومن المفكرين المعاصرين الذين تناولوا هذا العلم د. حسين مؤنس في "بشوات وسوبر باشوات" وحسن حنفي "الجذور التاريخية لأزمة الحرية والديمقراطية في وجداننا المعاصر".

ومن أشهر الكتب في الفكر الغربي كتاب "الأمير" لميكافيلي و "الدكتاتورية" لـ "ديفرجيه موريس".

 

كيف يظهر الطاغية؟ وما مبررات وجوده؟ وما الدعائم التي يستند إليها في حكمه؟ ربما يكون أهم كتاب عربي شغل بهذه الأسئلة هو كتاب "الطاغية" للدكتور إمام عبد الفتاح إمام الذي نشر ضمن سلسلة عالم المعرفة.

والسلطة ضرورة بشرية وقديماً قال الشاعر:

 

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم        ولا سراة إذا جهالهم سادوا

 

ولكن هذه الضرورة قادت في كثير من الأحيان إلى مآسٍ ومجازر وفظائع مرعبة. واستقرت للطغاة وسائل مألوفة سجلت منذ أرسطو وأفلاطون حتى مفكري ومؤرخي العصر الحاضر ومنها:

 

1- تدمير روح المواطنين، وزرع الشك بينهم وترويضهم على الذل والهوان.

2- القضاء على القياديين والأذكياء ويسمى أفلاطون هذه الطريقة "التطهير".

3- حجب ما يعمل على تنوير النفوس أو يبث الشجاعة والثقة بالنفس.

4- منع المواطنين من التجمع والتعارف والعمل المشترك.

5- الإسراف في الرقابة على الناس والتجسس عليهم والتدخل في شؤونهم.

6- إفساد أخلاق الناس وتشجيع الرذيلة.

7- إفقار الرعايا وإشغالهم بقوت يومهم.

 

ويختار الطغاة الفاسدين من البشر لمساعدتهم في الإدارة والحكم لأنهم أكثر استعداداً ورغبة لتنفيذ رغبات الطغاة، ولا يحب الطاغية رجلاً ذا كرامة ويقرب الغرباء وهي وسائل ذكرها جميعها أرسطو الفيلسوف اليوناني وهي معروفة ومتداولة، والغريب أن أرسطو نصح تلميذه وصديقه الاسكندر الحاكم اليوناني المشهور أن يعامل الشرقيين معاملة العبيد وأن يعامل اليونانيين معاملة الأحرار، ويبدو أنها فلسفة مستمرة حتى اليوم في الغرب حيث تستطيع الدول والقيادات الغربية أن تجمع بين ديمقراطية غربية وتشجيع ودعم للطغيان والدكتاتورية في العالم.

 

ويجد الطغاة دائماً من يبرر أعمالهم ويزنها على شاكلة قول ابن هانئ الأندلسي للحاكم الفاطمي المعز:

 

ما شئت لا ما شاءت الأقدار      فاحكم فأنت الواحد القهارُ

وكأنما أنت   النبي   محمدٌ       وكأنما أنصارك الأنصارُ

 

ولا يمكن أن يدوم الطغيان لولا مناصرة فئة له وتزيين أعماله للناس ودفعهم لقبولها وتأييدها، ولا يعبأ الطغاة برضا الناس ولكن بخضوعهم لأن لسان حالهم لا يهمني أن يكرهني تسعة مواطنين من عشرة إذا كان العاشر وحده مسلحاً، ويذكر العبادي في تاريخ الفاطميين أن المعز عندما دخل القاهرة وخطب في الناس سألوه عن حسبه ونسبه فأخرج من جيبه دنانير ذهبية وقال هذا حسبي وأخرج سيفه من غمده وقال: وهذا نسبي.

وينسحب أثر الطغيان على الفكر والعلم والأدب ويحتاج ابن المقفع إلى وقفة خاصة، فهو صاحب مكانة رفيعة في الأدب والثقافة، وقد ترجم كثيراً من كتب أرسطو ولكن كتابه "رسالة الصحابة" وهو رؤية في الحكم والإدارة تدعو إلى العدل والشورى وفي "البداية والنهاية" أن والي البصرة للمنصور سفيان بن حبيب دعا ابن المقفع إلى مقصورته وقال له: والله لأقتلنك قتلة يسير بذكرها الركبان، وأخذ يقطع من جسمه أجزاء ويضع كل قطعة في النار وهو يراها تحترق حتى مات.

 

وتختفي الحقائق والمعلومات أو تلون ويقل الإبداع والتفكير لأنه يصبح مهلكة، ولأبي العلاء المعري صورة شعرية في ذلك:

 

جلوا صارماً وتلوا باطلاً        وقالوا صدقنا، فقلنا: نعم

 

وفي صحيح مسلم في باب الفتن عن المستورد القرشي رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال عمرو بن العاص رضي الله عنه للمستورد أحق ما تقول: قال أقول ما سمعته عن رسول الله فقال عمرو: ذلك أن فيهم أربع خصال: إنهم أشد الناس كراً بعد فر، وأسرعهم فيئاً بعد مصيبة، وأكثرهم حلماً عند غضب، وخيرهم لعاجز وضعيف وامرأة خامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك".

 

ولكن الطغيان والفساد ليسا مقصورين على الحكومات والعمل الرسمي، بل إنهما في كثير من الأحيان في القطاع الأهلي والخاص يفوقان العمل الحكومي، ففي العمل الحكومي من الأنظمة والقوانين والمؤسسات ما يفترض أنه يمنع الفساد أو يحاصره، ولكن غياب مثل هذه الأنظمة في الشركات والأحزاب والجماعات والجمعيات الخيرية يجعل الفساد والظلم مقننا أو مبررا أو لا يمكن الاعتراض عليه، وما نراه من تزوير ومناصب وهمية وفصل تعسفي واختيار منحاز وأكل السحت والاعتداء على التبرعات وأموال الوقف وحقوق الناس والمساهمين وافتعال الأسباب لنيل المكافآت الإضافية مما  يجري في الشركات والجمعيات يفوق المؤسسات الحكومية.

 

إن الخطوة الأولى في الحرب مع الفساد هي الحرية  وكرامة الناس والرقابة الشعبية والإعلامية على المؤسسات العامة والخاصة، وبغير ذلك فسيبقى الفساد متمأسسا متمكنا ولو حسنت النوابا وتحققت الرغبات الصادقة لمكافحته.

التعليق