خطوة السعودية الصغيرة على الطريق نحو الديمقراطية

تم نشره في الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً


    قد تحتل أخبار انتخابات هذا الشهر في العراق، وانتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية، كل عناوين الأخبار العالمية، ولكن هناك اقتراعا آخر بعيد الأثر يجري الترتيب له الآن، ولو أنه يلقى قدراً أقل من التهليل: عملية التسجيل للانتخابات البلدية في المملكة العربية السعودية في منتصف شهر فبراير/شباط.

وباعتبار السعودية مركزاً لبعض أشد القوى الإسلامية في أي مكان من العالم، فإن الآثار المترتبة على هذا المسعى من قِـبل الحكومة السعودية ـ إذا ما كتب له النجاح وأصبح بشيراً بقرب حدوث تغييرات أخرى مطلوبة ـ قد تكون أكثر عمقاً من الأثر الذي ستخلفه الانتخابات في العراق وفلسطين.


     من المتوقع أن يتنافس 40,000 سعودي تقريباً على 1700 مقعد في 178 مجلساً بلدياً. والحماس واضح، والحملة جارية وتتسم بالحيوية والنشاط الشديدين.

لن يشارك أفراد الأسرة المالكة السعودية في هذا السباق، حيث إنهم يتمتعون بالفعل بسلطة سياسية قصوى. ولكنهم مع شعورهم بحماس الجماهير فقد حرصوا على أن تلتقط أجهزة الإعلام المحلية والدولية صورهم وهم يسجلون أسماءهم للحصول على بطاقاتهم الانتخابية.


     طبقاً للمعايير الغربية، وحتى المعايير في ديمقراطيات العالم الثالث الناشئة، فإن انتخابات المجالس البلدية في السعودية لا تمثل سوى حدث في غاية التواضع. ولكن إذا ما نظرنا إلى الأمر في السياق السعودي فإن هذه الانتخابات تشكل تقدماً مفاجئاً كبيراً.


وهذا لأن السعودية بلاد يتسم حكامها ومحكوموها بعقلية شديدة المحافظة، حيث ظلوا طيلة القرنين الماضيين متمسكين بالمذهب الوهابي المتزمت في فهمهم للإسلام. وعلى مدار الخمسين عاماً الماضية كان الفشل مصير المحاولات المتكررة التي بذلتها عناصر ذات توجهات إصلاحية لإدخال مفهوم الانفتاح إلى المجتمع السعودي ونظام الحكم هناك. لكن التوجهات الديمقراطية التي سادت العالم مؤخراً قد بلغت الآن شواطئ مملكة الصحراء هذه التي ما زالت تعيش في القرون الوسطى، ولم يعد بوسع أحد أن يتجاهلها الآن.


     وعلى سبيل البداية، فقد أصبح أفراد الطبقة المتوسطة، التي ما زالت صغيرة لكنها تشهد نمواً مستمراً، يعبرون عن سخطهم علناً على نحو متزايد. وعلى الرغم من الحظر القانوني .


فقد أقدمت النساء السعوديات على قيادة سياراتهن بتحدٍ في شوارع مدينة الرياض، بينما بادر مفكرون بارزون إلى نشر رسائل مفتوحة إلى الملك فهد وولي العهد الأمير عبد الله مطالبين بالإصلاح الاجتماعي والسياسي.


     ظلت هذه الضغوط المطالبة بالتغيير تتراكم لأعوام. فلقد تسببت حرب الخليج الأولى (1990-1991) في جلب ما يقرب من مليون مقاتل أجنبي من 35 دولة إلى شبه الجزيرة العربية، وبصحبتهم أنظمة تسليح حديثة، ومعدات اتصال متطورة، وأنماط حياة متنوعة. ومثل هذا التدفق الأجنبي الهائل إلى بلاد محكمة الانغلاق كهذه لابد وأن يكون له تأثير شديد على الأوضاع المحلية الداخلية.


     تمارس كل الدول المجاورة للسعودية شكلاً أو آخر من أشكال المشاركة الانتخابية، إلا أن أغلب هذه التوجهات نحو الديمقراطية يشوبها خلل ما.

 ولسنوات ظل أفراد الشعب السعودي العاديون يشاهدون بحسد المناقشات البرلمانية التي تذاع على القنوات الفضائية العربية، في بلدان أكثر ثراءً من بلادهم مثل الكويت، وفي بلدان أفقر من بلادهم مثل اليمن والأردن.


    وحتى دولة قطر الضئيلة المساحة تبث قناة الجزيرة مهيجة الغوغاء، والتي يشاهدها في السعودية عدد من المشاهدين يفوق نظيره في أي بلد عربي آخر. وتذيع هذه القناة على نحو دوري رسائل ابن السعودية المنشق أسامة بن لادن التي تحرض السعوديين ضد العائلة المالكة.


    يبرز بن لادن باستمرار فساد البلاط السعودي وارتباطاته البغيضة بالولايات المتحدة. ومع أن الديمقراطية ليست جزءاً من جدول أعمال بن لادن، إلا أن رسائله علاوة على الهجمات المسلحة المتكررة التي ينفذها أتباعه داخل السعودية، قد أسهمت بلا أدنى شك في تآكل شرعية النظام.


    لكن الهجمات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول 2001 كانت السبب الأكبر وراء إحداث تغيير شامل في تفكير جزء من النظام السعودي، إن لم يكن في ممارسات ذلك الجزء حتى الآن. وحقيقة أن أغلب الجناة الذين نفذوا الهجمات مواطنون سعوديون، قد أسهمت أيضاً في إبراز الحقائق الرجعية في البلاد وأدت إلى إثارة ضغوط دولية متصاعدة تطالب بالتغيير.


     لا شك أن بعض هذه الضغوط كانت بدافع من اهتمام مخلص، لكن ضغوطاً أخرى كانت مدفوعة من رغبة الجماعات المناهضة للسعودية في الولايات المتحدة في تسوية حسابات قديمة. لقد بات النداء بتطبيق الديمقراطية في الشرق الأوسط بمثابة صيحة المعركة بالنسبة لإدارة بوش، وعلى نحو خاص بعد غزو واحتلال العراق.


     على الرغم من كراهية الأسرة المالكة السعودية للتغيير، إلا أنه بات من الواضح أنها تذعن الآن لهذه الضغوط المتعددة القادمة من الداخل، ومن الدول المجاورة، ومن العالم ككل. إلا أن حجم التغيير ما زال اسمياً ويتجاهل الكثير من المطالب.

وعلى هذا، فسنجد على سبيل المثال أن النظام قد حظر مشاركة النساء السعوديات في الانتخابات البلدية القادمة، على الرغم من السماح بمشاركة المدانين المحكوم عليهم في جرائم. وفضلاً عن ذلك فإن عشرات الناشطين في مجال حقوق الإنسان قد أصبحوا الآن من نزلاء السجون أو رهن المحاكمة.


     من المؤكد أن النظام السعودي ما زالت تفصله مسافات شاسعة عن التحول إلى نظام ديمقراطي على طراز ويست مينستر؛ والحقيقة أنه ليس من المرجح أن يبلغ هذا المستوى على الإطلاق. ومع ذلك، فمن الضروري أن ننظر إلى الانتخابات البلدية هذه باعتبارها خطوة أولى عملاقة على الطريق الوعر نحو تحقيق الديمقراطية في السعودية. وعلى الرغم من العديد من المخاوف والشكوك بشأن تصرفات النظام السعودي في ميادين أخرى، إلا أنه يستحق الثناء لاتخاذه هذه المبادرة.


     سعد الدين إبراهيم أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية بالقاهرة، ورئيس مركز بن خلدون لدراسات التنمية. ولقد اكتسب دكتور إبراهيم اهتماماً عالمياً بعد أن صدر الحكم ضده بالسجن لمدة سبعة أعوام في محاكمة وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها ذات دوافع سياسية لمعاقبته على نشاطه في مجال حقوق الإنسان. ولقد أسقطت إدانته وألغي الحكم الصادر ضده في عام 2003.


خاص بالغد بالتنسيق مع "بروجيكت سنديكيت"

التعليق