"عداء السامية" ... قصة إفلاس مفهوم!

تم نشره في الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

   قدمت وزارة الخارجية الأميركية إلى مجلس الشيوخ تقريراً حول "العداء العالمي للسامية" للفترة الواقعة بين تموز العام 2003 إلى منتصف كانون الأول من العام المنصرم.

 

وقد جاء إعداد هذا التقرير استجابة لـ "مرسوم مراجعة العداء العالمي للسامية" الذي وقعه الرئيس الأميركي جورج بوش في تشرين الأول العام الماضي. وقد قال آنذاك: "الدفاع عن الحرية يعني القضاء على عداء السامية الشرير". وفي بداية هذا الشهر أعلنت الوزارة رسميا عن صدور هذا التقرير.

 

   يعرف التقرير "عداء السامية" على النحو التالي: "الكره الموجه ضد اليهود، أفرادا أو كمجموعة، الموجه إلى الدين أو/والإثنية اليهودية". فالتقرير يتكلم عن مجموعة دينية، أي "اليهود"، ولكنه يمنحها في الوقت نفسه هوية قومية عندما يلحق بها صفة "الإثنية"، فعمليا يؤهلها للارتباط بأرض ليست لها، أي فلسطين، وهو مبدأ الحركة الصهيونية. يعيد التقرير ظاهرة "عداء السامية" العالمية في السنوات الأخيرة إلى أربعة أسباب، هي:

التحيز التقليدي منذ قرون ضد اليهود الذي ساد في أوروبا وبلدان أخرى من العالم. وهذا يشمل قوميين متطرفين وآخرين يدّعون أن اليهود يسيطرون على الحكومات ووسائل الإعلام ومجال الأعمال العالمي والأسواق المالية العالمية.

 

مشاعر قوية معادية لإسرائيل لا تفرق بين النقد الموضوعي للسياسات الإسرائيلية وبين عداء السامية.

 

مشاعر معادية لليهود من قبل بعض سكان أوروبا من المسلمين وتستند هذه المشاعر على كراهية قديمة لكل من إسرائيل واليهود بالإضافة إلى معارضة إسلامية للتطورات في إسرائيل والأراضي المحتلة ومؤخرا في العراق.

 

النقد الموجه إلى الولايات المتحدة والعولمة، وأصاب إسرائيل أو اليهود بشكل عام.

 

وإذا كانت هذه الأسباب تكشف عن الطابع المضلل لمفهوم "عداء السامية"، إلا إنها تقدم أيضا الأسباب الحقيقية وراء تعميم هذا المفهوم واستغلاله سياسيا. "عداء السامية" هو مفهوم غربي صرف ويعنينا نحن العرب لأنه استغل منذ البداية لتقديم تبريرات أيديولوجية لاستعمار فلسطين. فحادثة درايفوس الشهيرة التي وقعت في فرنسا قبل أكثر من مائة عام استغلت من قبل الحركة الصهيونية الناشئة عندما اعتبرتها بأنها تقدم درسا ضد اندماج اليهود في مجتمعاتهم وأن هذا الاندماج لا ينفع في التخلص من ظاهرة "عداء السامية".

 

اليوم يستغل مفهوم "عداء السامية" على جبهتين. أولا، تستطيع الصهيونية من خلال تطبيق هذا المفهوم الإدعاء أنها والدولة التي تمثلها معرضة دائما للهجوم والاعتداء فيكون لديها مبرر للدفاع عن نفسها، وعندما تقع حادثة موجهة ضد اليهود، حتى لو كانت مدبرة، فأن المتلقي يربط تلقائيا بين "اليهود" وإسرائيل. ثانيا، يتم ربط هذه الحوادث في العادة بجماعات إسلامية ويظهر الأمر وكأن نضال الشعوب في المنطقة، العربية وغيرها، تحركه عوامل دينية وليس اقتصادية اجتماعية تتخطى إطار الأديان كافة.  

 

 إن مجرد اللجوء إلى تبرير "عداء السامية" بالقول أنه يعتمد على فكرة أن اليهود يسيطرون على العالم أو الاقتصاد والشركات العالمية، كما يفعل تقرير وزارة الخارجية الأميركية، يؤكد أن مفهوم "عداء السامية" يمر بأزمة حقيقية. فمن المعروف أن مقولات من هذا النوع كانت تروج أثناء حكم النازية في ألمانيا وكانت تهدف إلى اختلاق عدو غامض في مكان بعيد مجهول، وتحميله مسؤولية المشاكل التي تعاني منها الشعوب، والشعب الألماني بشكل خاص، مثل وول ستريت أو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي سابقا. وآلية هذا التضليل تعتمد ببساطة على أن الإنسان العادي لا يستطيع التأكد من صحة المقولة فهو لا يعيش في نيويورك أو موسكو، فيقبل بها بدون تشكيك. واعتمد هذا الترويج على "بروتوكولات حكماء صهيون" التي ظهرت لأسباب معروفة في روسيا القيصرية في نهاية القرن التاسع عشر.

 

 أفكار مماثلة كان يروج لها أيضا الصناعي الأميركي المعروف هنري فورد في بداية العشرينات، ونشرت في مجموعة مقالات في المجلة التي كانت تصدرها شركة فورد في ديربورن، وفيما بعد ضم هذه المقالات كتاب يحمل عنوان "اليهودي العالمي المشكلة الأولى في العالم". لقد شاركت قوى العالم، العسكرية أو الرأسمالية، في تحقيق هدف واحد هو تحويل الأنظار عن الأسباب الحقيقية لأزمة المجتمع البورجوازي أو الرأسمالي. وقد أعيد نشر كتاب "اليهودي العالمي" سيئ الذكر أكثر من مرة وخاصة في ألمانيا قبل وأثناء الفترة النازية. واليوم أيضا ومع ثورة العصر الإلكتروني نجد نصوص الكتاب على الإنترنت ولا يجد ذلك أي اعتراض جدي أو حملة مضادة حتى من قبل أكثر المنظمات الصهيونية تطرفا، كـ "عصبة مناهضة التشهير" الأميركية عندما تشير في موقعها بشكل مخفف إلى الكتاب.   إن كنا نفهم ما يفترض أنه "عداء سامية" بين أوساط اليمين المتطرف في أوروبا، فإننا لا نستطيع إطلاقا إدراك لماذا ينتشر مفهوم كهذا بين "مسلمي" أوروبا. ولكن من الواضح أن هناك تضليل مقصود في الحالتين، فلا "اليمين المتطرف" ولا "الإسلام" يعبران عن موقف سياسي واضح من ظواهر اجتماعية اقتصادية محددة في أوروبا أو العالم. فاختزال أزمة العالم الرأسمالي بـ "حليقي رؤوس" أو "أصحاب عمامات" في أوروبا تؤكد أن الرأي العام في الغرب لم يعد ينخدع بالاستغلال البشع للأديان.

 

  الرأي العام، الأوروبي والأمريكي، لم يعد يصغي إلى النغمة القديمة التي تستدر العطف أو الشفقة لليهود، لتصب هذه المشاعر تلقائيا باتجاه إسرائيل، "الدولة الصغيرة، الديموقراطية، التي تتعرض منذ إقامتها لخطر وجودي"، كما وصفها مرة شلومو غازيت، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. فقد أصبح واضحا أن منطق استخدام العنف من قبل إسرائيل جاء نتيجة سياسة هذه "الدولة الصغيرة"، وأن هذه اللعبة لم تعد فعالة في أوروبا وأمريكا، خاصة وأن إسرائيل تتعمد أيضاً إظهار القوة بمواجهة الشعب الفلسطيني الأعزل، الذي يطالب بوطنه المسلوب. هذه هي الخلفية وراء نتائج الاستطلاع، الذي أجراه الاتحاد الأوروبي في خمس عشرة دولة في تشرين الثاني عام 2003، وكانت نتائجه أن 59% اعتبروا أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على الأمن العالمي. وقد رأت "عصبة مناهضة التشهير" أن السبب يعود إلى "عداء السامية" ودفعها إلى إجراء استطلاع مشابه في الولايات المتحدة في بداية شهر كانون الأول 2003 جاءت نتائجه مفاجئة، وليس كما تتوقع "العصبة"، فـ 43% وصلوا إلى الخلاصة ذاتها كما في أوروبا. ومقارنة بأوروبا وجدت "العصبة" أن هذه النتيجة تصب في صالحها، غير أن غازيت، في مقاله المشار إليه، نبه إلى أن هذا يعني نصف الأمريكيين تقريبا، وهو ما لا يمكن إرجاعه إلى "عداء السامية"، الضعيف في الولايات المتحدة أصلا. بالمناسبة لا يشير تقرير وزارة الخارجية الأميركية إلى الاستطلاع الذي أجراه الاتحاد الأوروبي.

 

   يتأكد تصاعد التشكيك في ظاهرة "عداء السامية" في النقاش الذي دار في المؤتمر الصحفي لوزارة الخارجية الأميركية، فالأسئلة تركزت على تحديد علاقة "عداء السامية" بإسرائيل التي تحتل الأرض الفلسطينية. أحد الصحافيين تساءل فيما إذا كان مصطلح "العدو الصهيوني" هو "معاد للسامية" أو "معاد لإسرائيل"، ويوضح الصحافي إلى أن مصطلح "العدو الصهيوني" جاء على لسان محمود عباس، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن قتلت إسرائيل ثمانية أطفال فلسطينيين في بيت لاهيا وحولت أجسادهم إلى أشلاء. وتبدو سخرية الصحافيين واضحة عندما طالبوا منظمي المؤتمر بإيضاح ما إذا كانت صفة "صهيوني" مهينة، وأنها بالتالي تحمل "عداء للسامية"، فهناك "منظمة صهيونية أميركية" محترمة وهناك "صهاينة فخورون جدا بأنفسهم في هذا البلد". والمرة بعد المرة يعاد طرح السؤال فيما إذا كان "عداء اليهودية" أو "عداء الصهيونية" هو "عداء سامية" وحول ما إذا كانت "مناهضة العولمة" هي أيضا "عداء للسامية"! أو السؤال فيما إذا يصنف بـ "عداء سامية" مطالبة إحدى الكنائس البروتستانتية الأميركية بمقاطعة الشركات التي تتعامل مع إسرائيل!  

   إن تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول "العداء العالمي للسامية" يمكن أن يكون صحيحا إذا علمنا أن كلمة "سامية" تعني إسرائيل بدون مواربة. فالتقرير نفسه يضطر إلى إدانة إسرائيل عندما يشير بشكل غير مألوف إلى "الأراضي المحتلة"، أي حتى مع "ال" التعريف الشهيرة التي أسقطت من قرار الأمم المتحدة 242. وكذلك عندما يشير إلى "العراق" ويقصد عمليا "العراق المحتل". فلسطين والعراق هما قضيتا العالم اليوم. هذا ما كشفه التقرير الأميركي، كما كشف في الوقت ذاته عن إفلاس مفهوم "عداء السامية"! 

التعليق