تاريخ ووثائق"ربيع دمشق"

تم نشره في الثلاثاء 11 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

في كتاب مرجعي لمن أراد أن يعتبر



    ليس من المبالغة القول إن ما سميّ بـ"ربيع دمشق" خلال 2000-2001 كان من الأحداث المهمة التي فرضت نفسها بقوة في الوضع الانتقالي الذي كانت فيه سورية (ولا تزال)، حيث ضاع بعد الزخم/الحراك الفكري السياسي والثقافي سواء نتيجة للهجمات التي شنّت عليه (مقالات تشنيعية في صحف رسمية واعتقالات لاحقة) أو نتيجة للتطورات الإقليمية والدولية. وهكذا بعد أن كان "ربيع دمشق" يبشر بذوبان كل التراكمات التي تجمعت في العقود الأخيرة انتهت به الأمر إلى "تاريخ" ينتظر من يقوم بتوثيقه وتحليله وأخذ العبرة منه.

    وقد قٌيّض لـ"ربيع دمشق" مؤخراً من يبادر إلى نشر كتاب مرجعي عنه يوثق لأهم تطوراته ويعرض لأهم ما دار فيه من محاضرات ومناقشات تعبّر عن السقف الذي وصلت إليه الحرية في تلك الفترة القصيرة التي انتهت فجأة كما بدأت فجأة. وفي الواقع أن صاحب البادرة د. رضوان زيادة كان المؤهل لمثل هذا العمل إذ إنه أحد المشاركين الفاعلين في "ربيع دمشق" سواء من خلال "منتدى الحوار الوطني" الذي كان من أهم رموز "ربيع دمشق" أو من خلال "الجمعية السورية لحقوق الإنسان" التي كانت ولا تزال من رموز "ربيع دمشق". وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب الصادر الآن (أواخر 2004) يجمع في الأساس المحاضرات والمناقشات التي دارت في "منتدى الحوار الوطني" (الذي أسّسه النائب المعارض رياض سيف) خلال 2000-2001 مع مقدمة وافية عن بدايات "ربيع دمشق" والظروف الداخلة والخارجية التي قضت عليه.

    وهكذا "يؤرخ" د. زيادة بدايات "ربيع دمشق" في أيار 2000 حين اجتمع بعض المثقفين السوريين (المخرج نبيل المالح والكاتب ميشيل كيلو والأكاديمي عارف دليله الخ) لبحث تشكيل "جمعية أصدقاء المجتمع المدني"، التي تحولت إلى كيان معلن بعد أن شارك في الاجتماعات النائب والصناعي رياض سيف. وقد سعى سيف آنذاك (أيلول 2000) للحصول على ترخيص رسمي للجمعية ولكن نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام رفض ذلك لأنه كان يمثل  "الخط الأحمر" الذي لا يجوز الاقتراب منه.

    ونتيجة لهذا الرفض الرسمي، كما يوضح د. زيادة، حدث افتراق بين خطين بين المثقفين السوريين الراغبين في التغيير بعد أداء الرئيس بشار الأسد للقسم الدستوري الذي اعترف فيه بحق "الرأي الآخر" في أن يعبر عن نفسه. وهكذا تجمع بعض المثقفين في "الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني" فيما أعلن النائب المعارض رياض سيف مع مجموعة من المثقفين عن تأسيس "منتدى الحوار الوطني" في 13 أيلول 2000 وإعلانه عن عقد أول محاضرة لشيخ المثقفين السوريين أنطون مقدسي. وكان مقدسي قد وجه في إجراء غير مألوف رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأسد في 14 آب 2000 كشف فيها (على غير ما يقال في الإعلام الرسمي) عن وجود "انهيار عام سياسي واقتصادي وثقافي وإنساني" في سوريا، وهي التي أدت إلى فصله من العمل في وزارة الثقافة.

   ومن هنا فإن التحدي الأول كان في أن يقوم صاحب هذه الرسالة بإلقاء أول محاضرة عن "المجتمع المدني" المغيّب في سورية في "منتدى الحوار الوطني" في 13 أيلول 2000 وسط حضور مميّز ترك صدى كبيراً. ويلاحظ د. زيادة أن القائمين على "المجتمع المدني" آنذاك أدركوا بسرعة أنهم لا يمكنهم أن يستمروا في نشاطهم مع "تناسي المشهد السياسي الاجتماعي القائم في سوريا"، ولذلك فقد قرروا توسيع دائرة المحاضرات لتشمل القضايا الاقتصادية والسياسية من وجهة نظر المعارضة التي لم يعتد الناس على سماع صوتها في هذه القضايا.

   ومع نجاح هذه الباردة التي كسرت الجمود في المجتمع السوري أخذت تنتشر ظاهرة "المنتديات" التي تتصدى للشأن العام بعد طول صمت، حيث تأسس "المنتدى الثقافي لحقوق الإنسان" و"منتدى جمال الأتاسي للحوار الديموقراطي" في دمشق وغيرها في المحافظات السورية.

   ولكن مع الحراك الفكري السياسي والديموقراطي الذي أطلقه "منتدى الحوار الوطني" أصبح الاهتمام الإعلامي في الخارج يشكل خطراً على هذه البداية الواعدة. وهكذا كان يكفي لمجلة "نيوزوبك" الأمريكية أن تكتب عن "منتدى الحوار الوطني" وأن تعتبره "بداية حركة التغيير القادمة في سوريا حتماً" حتى يبدأ التغول على هذه التجربة بحجة اختراقها من الخارج.

    ومع ذلك فقد اعتدّ "منتدى الحوار الوطني" بنفسه مع هذا الاهتمام المتزايد حوله في الخارج وقرّر أن يتحول إلى مشروع حزب جديد في 31/1/2001 باسم "حركة السلم الاجتماعي" دون أن يدرك أنه يخترق "الخط الأحمر".

    وهكـذا كـان يكفي أن يحضر صحفي أمريكي لمتابعة محاضرة د. زيادة التي ألقاها في 7/2/2001 في المنتدى بعنوان "المأزق السياسي وإشكالية التعثر الديموقراطي في سورية" حتى يبدأ الهجوم في الصحف الرسمية عن "الاختراق" من "الخارج"، وتطور الأمر حين استند رئيس الجمهورية نفسه على ما ينشر في الصحف الرسمية عن "منتدى الحوار الوطني" وغيره لاعتبار أن المنتديات "قد أصبحت واجهات لجهات أجنبية".

    وهكذا في اليوم التالي لمحاضرة د. زيادة ( 8/2/2001 ) جرى الإعلان عن شروط تعجيزية لتقييد نشاط المنتديات كانت تعني منعها في الواقع من ممارسة نشاطاتها. ومع فشل المحاولة لترخيص "منتدى الحوار الوطني" في أيار 2001، حيث رفضت وزارة الشؤون الاجتماعية منح الترخيص لأنه "ليس من اختصاص الـوزارة" (ولا توجد جهة أخرى تمنح مثل هذا الترخيص)، قام النائب رياض سيف بالإعلان عن استمرار عمل "منتدى الحوار الوطني" دون ترخيص رسمي. وقد تحول هذا الموقف إلى تحد حقيقي حينما أعلن أن المفكر السوري المعارض برهان غليون سيأتي خصيصاً من باريس لإلقاء محاضرة عن "مستقبل الإصلاح والتغيير في سوريا: نحو عقد وطني جديد". وقد عقدت المحاضرة بالفعل في 5/9/2001 وحضرها حشد كبير وشارك أكثر من ثلاثين مثقفاً (من الموالين والمعارضين) في مداخلات قيمة.

   ومن كان يدرك ماذا يعني مثل هذا التحدي لم يستغرب قيام السلطات باعتقال النائب سيف في اليوم التالي (6/9/2001). ولما بادرت 14 جمعية ومنتدى إلى الاجتماع في مقر "منتدى الحوار الوطني" للاجتماع على اعتقال النائب سيف قامت السلطات باعتقال ثلاثة آخرين في لجنة "منتدى الحوار الوطني" (د. عارف دليلة ود. كمال اللبواني). ومع الاستمرار في التعبير عن الاحتجاج للاعتقالات قامت السلطات في صباح 11 أيلول 2001 باعتقال فواز تللو عضو لجنة "منتدى الحوار الوطني" وحبيب عيسى الناطق باسم "منتدى جمال الأتاسي للحوار الوطني".

    ويلاحظ هنا د. زيادة أن تصادف هذا الإجراء في صباح 11 أيلول 2001 كان له مغزاه الكبير. فقد كان من المتوقع أن تثير هذه الاعتقالات المتلاحقة الرأي العام في الداخل والخارج، ولكن أحداث 11 أيلول وما تلاها أدت إلى "تحول اهتمام الإعلام بشكل مطلق وتام عن الأجواء السياسية الصاخبة في سورية" حتى "بدا وكأن هذه الأحداث قد خدمت النظام السوري خدمة لا توصف عبر تخفيف العبء الإعلامي الثقيل الوطأة على كاهلها" (ص21).

    ومن هنا ينتهي د. زيادة إلى أن الاعتقالات التي تتوجت في 11 أيلول 2001 كانت تمثل "النهاية الرسمية لربيع دمشق الذي راهن عليه العديد من المثقفين والناشطين السوريين والمراقبين الدوليين على أن يساعد في نمو مناخ جديد من الحقوق والحريات في سورية" موضحا أن "هذا الرهان قد سقط للأسف بالنظر إلى آلية عمل النظام السياسي في سورية التي لا تحتمل الانفتاح أو التغيير وتصرّ على الإمساك بجميع مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والإعلامية" (ص21).
    كتاب د. زيادة يجمع ما بين التاريخ والتحليل لـ"ربيع دمشق" وما بين الأرشفة إذ إنه يجمع في مكان واحد كل المحاضرات التي ألقيت في "منتدى الحوار الوطني" والمداخلات والمناقشات الحامية التي أثارتها، والتي تشكل بمجملها مرجعاً مهماً لا غنى عنه للتأريخ اللاحق لـ"ربيع دمشق"، أي الذي لم يكتب بعد.

التعليق