الأردن القادم: الممكن والواجب

تم نشره في الثلاثاء 11 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً


نحو ثقافة وطنية للإصلاح والتنمية


    يعتقد إبراهيم غرايبة كما في كتابه "الأردن القادم: الممكن والواجب، نحو ثقافة وطنية للإصلاح والتنمية" أن الأردنيين يمتلكون رصيدا غنيا من الخبرات الاجتماعية والثقافية والتاريخية مستمدة من تفاعل الإنسان مع المكان والتراث والتكوين العربي والمسيحية والإسلام والجغرافيا التاريخية.

    وتصلح هذه المنظومة الممتدة في مجالات كثيرة مثل: العمل، القضاء، الأسرة، العمارة، الطعام، اللباس، الانتماء والمشاركة، والعادات والتقاليد، والقيم، والمهن والفنون والثقافة، مرجعية في التخطيط والسياسات العامة، وتحرك الناس نحو الإنتاج والاستقرار والعدل والرضا والانتماء والمشاركة.

الثقافة والتنمية

    تبين دراسات وتقارير لمؤسسات لمنظمات دولية مثل الفاو (منظمة الأمم المتحدة للغذاء والزراعة) بأن التنمية والاكتفاء الذاتي يرتبطان بثقافات الشعوب والمجتمعات وسياسات الدولة العامة أكثر مما يرتبطان برأس المال والموارد المادية وحدها.

   وتبين الدراسات التاريخية عن الأردن بوضوح وبساطة كيف استطاع الإنسان في هذا البلد تحقيق نظام موارد يلبي احتياجات الناس دون حاجة لمعونة وتقنيات خارجية مستوردة.

 إن ثقافة الناس واتجاهاتهم الاجتماعية والاقتصادية أسعفتهم في توفير إمكانية التعامل مع مشكلات شح الموارد المائية، وتوظيف البيئة والطبيعة المتاحة في إقامة مشروعات تنظيم استخدام الموارد المائية، وتخزينها وتوفيرها للشرب والخدمات، وإمكانية تحقيق إنتاج اقتصادي وفير.

هل الأردن دولة وظيفية

   تسود وجهة نظر يتبناها اتجاه يملك صوتا قويا أن الأردن دولة وظيفية عازلة أقيمت لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين ولتكون وطنا بديلا لهم، ومن ثم فإنه لا مجال لفكرة وطنية جامعة تقوم عليها الدولة.

   هذه المقولة برأي المؤلف تخالف الرواية المنشئة للدولة الأردنية التي قامت في سياق الثورة العربية الكبرى من أجل إقامة دولة عربية في المشرق العربي، وتخالف أيضا وقائع تاريخية وسياسية يمكن ملاحظتها في الجريدة الرسمية ومحاضر المجلس التشريعي الموثقة والمتاحة لكل من يحاول الاطلاع عليها، وفي الثقافة والتاريخ المكون للمكان، وفي الشعر مثل شعر عرار مصطفي وهبي التل، وغير ذلك مما يظهر شعورا واضحا بالمكان بحدوده الجغرافية وتبلورها في أذهان الناس والنخب واستقرارها منذ عهود بعيدة تعاملت معها التقسيمات الإدارية للمناطق في كل العهود السياسية المتعاقبة.

    وربما سيحل قيام الدولة الفلسطينية إشكالية الهوية والانتماء في الأردن، لأن سبب الأزمة هو الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وليس السياسات الأردنية ولا اتجاهات السكان والمواطنين.

     وربما تعود هوية المكان لتحيا من جديد، وتكون موضع إجماع وقبول وفكرة تجمع المواطنين من شتى الأصول والمنابت، وسيجد دعاة غياب الهوية الوطنية هم أنفسهم حينئذ تاريخياً اجتماعياً وحضارياً حافلاً مرتبطاً تحديداً بالمكان المسمى الآن "الأردن"، ويكتشفون أن دولا وحضارات قامت في الأردن تماماً كما هو اليوم، مثل الأنباط والغساسنة والعمونيين والأدوميين والمؤابين ومملكة جلعاد، وان تقسيم الإقليم لشرق الأردن في الدول الإسلامية المتعاقبة كان قائماً على ثلاثة أقاليم محددة جغرافياً كما الدول الطبيعية وهي عجلون والبلقاء والكرك، ويكون التنافس الجغرافي والمكاني داخل الدولة أمراً طبيعياً محتملاً كما هو موجود في جميع دول العالم بلا استثناء، فإيران وتركيا وماليزيا على سبيل المثال لا يشكل الإيرانيون والأتراك والمالاويون في كل منها أكثر من النصف.
 
ماذا فعلت بنا مشروعات التنمية

   أقامت الدولة مشروعات للطرق والتعليم والكهرباء والمياه والاتصالات والخدمات والمرافق الصحية والإدارية تغطي المملكة بنسبة تقترب من 100%، وهي جهود عظيمة، لكنها حملت آثارا جانبية يجب الاهتمام بها حتى لا تفسد جدوى هذه المشروعات وثمارها.

ماذا فعلت الكهرباء للأرض البور المهجورة والصحراء الزاحفة، والأرض الوعرة الجبلية التي تنتظر الاستصلاح؟ والموارد المائية التقليدية التي أهلكها الإهمال والهدر والاستنزاف و الإسراف؟ 

    يقول الكاتب : لقد دفعنا الناس الى نمط جديد من الحياة يساهم في زيادة الأعباء وتدمير الأرض والزرع، واستدرجناهم الى شراء تمديدات وأسلاك وأجهزة كهرباء وضرائب إضافية.

في كل البيوت في القرى والمدن تجد أجهزة تلفزيون وأجهزة كهر بائية وموبايلات وأجهزة التقاط البث الفضائي تعشش مع المرض والفقر وسوء التغذية، حيث تدهشك غابات الهوائيات والأطباق اللاقطة على سطوح البيوت والعشش والمخيمات، نحن نستورد سنويا أجهزة كهربائية بأكثر من 100 مليون دولار وكانت قيمة هذه الواردات سنة 1992 حوالي 90 مليون دولار، ويتجاوز عدد خطوط الهاتف المليون ونصف المليون للاتصالات المتحركة، وحوالي ثلاثة أرباع المليون للاتصالات الثابتة.

    وأدت شبكات المياه وخطط التنظيم العمراني الى تدمير مصادر المياه وتبديدها، فالزحف العمراني المرعب دمر الزراعة والأشجار والغابات من جهة لنقص الأمطار وجفاف الينابيع والسيول، ومن جهة ثانية لا يكلف الفرد نفسه بحفر الآبار لأن الماء يصله رخيصا سهلا ومريحا وهذا ما يعزز مبدأ الاتكالية من ناحية معينة حسب رأي الكاتب ويقلل الفعالية و الإنتاج فمثلا معونات الإغاثة الأجنبية الى أفغانستان أدت الى انهيار زراعة القمح والتحول الى زراعة الحشيش، وتحولت أفغانستان من الاكتفاء الذاتي الى المجاعة، فالمواطن الأفغاني الذي كان يزرع ما يحتاج إليه من طعام أوعلف لماشيته أصبح يحصل عليه مجانا وبلا جهد من وكالات الإغاثة، ومقابل ذلك يزرع أرضه بالحشيش وتحولت سهول القمح الواسعة الى غابات حشيش تغطي كل مكان يمكن أن تصل إليه المياه التي هي وفير ة وتكفي أضعاف السكان ومساحة أفغانستان، وحدث الأمر نفسه في أفريقيا.

البيئة تهددها خطط التنمية

    يرى الكاتب أن الفشل الاقتصادي والتنموي والبيئي الذي نعاني منه لم يكن بسبب الفقر أو نقص الموارد، ولكنه بسبب مشروعاتنا التي أقمناها وأنفقنا عليها من قوت عيالنا وأدت الى مزيد من الخسائر لأنها لا تلائم احتياجات الناس الحقيقية ولا تتفق مع الطبيعة والبيئة المحيطة بها جغرافيا وثقافيا، حيث إن مشروعات التنمية المستمدة من مصالح الناس وثقافتهم هي المقدر لها البقاء والنجاح كما أنها قليلة التكلفة، وإذا كانت الحكومة والمؤسسات العامة معنية بتطوير الغابات ومكافحة التصحر، فإنها مدعوة لجعلها ضمن منظومة من العمل النهضوي والتنموي والثقافي، وتحويله الى مشروع وطني تشتغل به جميع فئات الناس، و أخيرا أن تكون مصدر رزق ومصالح للناس .

التعليق