محمد عيد.. الذي مات مرتين!

تم نشره في السبت 8 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

لم أكن قد سمعت باسم الروائي الراحل محمد عيد قبل أن أعود إلى الأردن في العام 1990 بعد اغتراب طويل ناهز ربع القرن. ولكنني عرفته اسما باعتباره واحدا من الروائيين الذين ساهموا بقوة في بلورة المشهد الثقافي الأردني خلال سنوات اغترابي، وذلك من خلال موقعه روائيا الذي أسهم في إغناء فن الرواية في الأردن عبر واحدة من بواكير الأعمال الروائية الأردنية هي "المتميز".

 

وقد قرأت الرواية في خضم انشغالي بإعادة التعرف على الأردن الذي غبت عنه طويلا من خلال ردم الفجوات العديدة التي تكونت في غيابي، وكانت الفجوة الثقافية هي التي حاولت الاهتمام بردمها أكثر من غيرها فهي الوحيدة التي يمكن ردمها من خلال القراءة فقط.

 

وقد حفزتني قراءة "المتميز" على قراءة أعمال أخرى له أبدعها في مجال القصة القصيرة، وفي النهاية كونت عنه انطباعا بأنه كاتب بوهيمي يشبه في سيرته البوهيمية العديد من الكتاب في بلادنا وبلاد العالم، مع فارق أنه منح بوهيميته أولوية على حساب فنه بدلا من أن تتحول هذه البوهيمية إلى مصدر غنى لا ينضب لأعماله الفنية التي تحمل بذور موهبة لا شك فيها.

 

لم أحاول أن أتعرف على الكاتب قبل رحيله، فقد فهمت من أصدقائي في الوسط الثقافي الأردني أن الروائي والقاص قد وقع ضحية للحياة البوهيمية المثقلة بفقر منهك ربما لم تستطع الحياة الثقافية الرتيبة في الأردن أن تشكل بديلا لها. وعرفت أنه يتنقل بين أعمال مؤقتة تتناسب ونوع الحياة التي اختارها. وهنا انتهت علاقتي التي نسجتها عبر الكتب بمحمد عيد الذي كان من مفارقات القدر التي طالما كتب عنها في أعماله الأدبية المختلفة أنه عاد إلى المشهد الثقافي الأردني بقوة لدى رحيله في الشهر الماضي فكتب عنه واستعيدت ذكراه كما لم يحدث منذ احتفى الوسط الثقافي به حين أصدر روايته اليتيمة ورثاه بما أعتقد أنه يستحقه.

 

في العام 1993 وفي أثناء محاضرة كان الروائي الكبير صنع الله إبراهيم يلقيها في رابطة الكتاب التقيت محمد طمليه الصديق الراقد الآن على سرير المشاغبة على المرض، والذي عرفني على كاتب كان يجلس بجانبه لم أسمع سوى اسمه الأول: محمد، ولم أكن في حاجة لسماع اسمه الثاني فقد عرفت فيه صديقا قديما شاركني مقاعد الدراسة قبل سنوات طوال، فقد كان اسم صديقي محمد حسن.

 

كنت عرفت من صديق مشترك أن محمد حسن قد أصبح كاتبا وأنه أصدر رواية تضمنت الكثير مما نعرفه عن حياته الخاصة. ولم أستكثر ذلك على صديقي القديم الذي كان في صباه حييا حسن الهندام دائم البسمة. وبخلاف زملائنا وأصدقائنا الآخرين، كانت له اهتمامات واضحة بالأدب والثقافة، إلى جانب السياسة التي كانت زاد جيلنا اليومي.

 

سألت محمد حسن عن أخباره وتواعدنا على اللقاء، ولكننا لم نلتق سوى بالصدفة مرة واحدة جددنا فيها التواعد على اللقاء. ولم نلتق. وحين رحل محمد عيد شعرت بكثير من الحزن على روائي قرأت له من دون أن أعرفه، لأنني رأيت في حياته صورة كثير من الأدباء والمبدعين الذين حولت الحياة اتجاههم والتهمت مواهبهم ولم تمنحهم فرصة لإعطاء ما لديهم.

 

وفي لحظة تفكير عميق راوحت بين الحلم واليقظة، بين التأمل والتذكر اجتمعت في شريط ذكرياتي صورتا الروائي الراحل محمد عيد والصديق القديم محمد حسن. لم تكن صورة محمد عيد التي نشرت لدى وفاته تشبه صورة محمد حسن الذي عرفته قبل عقود والتقيته صدفة قبل أعوام، ولكن التقاءهما صدفة في مخيلتي جعلني أوقن أن محمد عيد الروائي الذي حزنت لرحيله من دون أن أعرفه هو نفسه محمد حسن الذي عرفته قبل وقت طويل ولم أعد أراه. وشعرت مجددا بحزن عميق على رحيل محمد حسن، صديقي القديم الذي مات مرتين.

التعليق