السياسة الاقتصاديَّة وعلاقة الحكومة بالناس

تم نشره في الأربعاء 5 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً


   تبشِّرنا الحكومة بأنَّها تستعد لإطلاق موجة جديدة من رفع أسعار الوقود، وتطمئننا بأنَّ هذا لن يتمّ دفعة واحدة، بل على مراحل. لكنَّها، بالمقابل لم تقل لنا ما الجدوى من استعمال أسلوب المراحل إذا كانت الدخول لن تزداد خلال المدَّة نفسها التي ستجري فيها عمليَّة الرفع، بل هي مرشَّحة لمزيد من التآكل، مع تواصل ارتفاع الأسعار وهبوط الدولار الذي يستند تقييم الدينار إليه، ومع تأكيد الحكومة على لسان أكثر من مسؤول فيها، بأنَّه لا نيَّة لديها لزيادة رواتب الموظَّفين، وأنَّ الحدّ الأدنى للأجور، الذي هو أدنى من خطّ الفقر المتعارف عليه، لن يُزاد؟!

   ويحار المرء في معرفة الحدود التي يجب أن تبلغها أسعار الوقود لتكون مناسبة للحكومة، خصوصاً وأنَّها بلغت حدّاً مبالغاً به بعد الرفع الأخير. وإلى أي مدى سيكون بإمكان فئات واسعة من الناس، بدخلها المتدنِّي، أن تؤمِّن التنقل الضروري إلى أماكن عملها، بعد رفع أجور النقل المتوقَّعة بالضرورة بعد ارتفاع أسعار الوقود؟ ثمَّ هل هيَّأت الحكومة شبكة نقل عامَّة منظَّمة ومقبولة التكلفة وتغطِّي كافَّة الأماكن؟ ثمَّ كيف سيواجه الناس، بشكل عامّ، هذه الأعباء المتصاعدة؟ وكيف ستُرسم الخارطة الطبقيَّة للمجتمع في نهاية المطاف؟ لا أحد يقول شيئاً في هذا المجال، ولا يبدو أنَّ الحكومة مشغولة البال بعواقب هذه السياسات الاقتصاديَّة القاسية على الناس!

    ومن المعروف أنَّ أسعار السلع والخدمات جميعها تصاب بالجنون بعد كلّ ارتفاع لأسعار الوقود، وكانت الأسعار قد ازدادت خلال السنة الماضية بصورة ملحوظة جدّاً بعد عمليَّة الرفع الأخيرة؛ فإلى أيّ مدى سيستمرّ هذا التصاعد الحادّ خلال السنوات القادمة؟ والأمر نفسه يقال عن الضرائب من حيث تعدُّدها وتنوُّعها واتِّساع نطاقها وارتفاع مستوياتها.. فهل من نهاية لهذه المعالجة القاسية المستمرَّة منذ أكثر من عقد ونصف؟

   ومن ناحية أخرى، فإذا كانت الحكومة قد قلَّصت دورها السابق في تقديم الخدمات والوظائف والرعاية للمواطنين إلى حدٍّ بعيد، وتخلَّت عن بعض جوانب دورها السابق تماماً، وأصبحت تتقاضى أثمان بعض الخدمات التي كانت مجانيَّة، ورفعت الدعم منذ سنوات عن السلع الأساسيَّة، فهل تقلَّصت نفقات الحكومة مع ذلك أم ازدادت؟ وهل انخفضت مديونيَّة الدولة الأردنيَّة، في مقابل هذا التضييق المتفاقم على معيشة الناس، ومقابل هذه الجباية التي لا تقف عند حدّ، أم ارتفعت؟
   وهناك جانب آخر لهذه العمليَّة يجب الانتباه له جيِّداً، وهو أنَّ تراجع دور الحكومة في رعاية الناس، يتطلَّب بالضرورة تغيير شكل علاقتها بهم وعلاقتهم بها. لقد كانت الحكومة في السابق هي ربّ العمل الأوَّل وهي مقدِّم الخدمات الأوَّل وهي المستثمر الأوَّل وهي المتحكِّم الأوَّل بالسوق وبالاقتصاد. وكان ذلك كلّه يشكِّل أرضيَّة صلبة لأسلوب الحكم الذي كان سائداً آنذاك، والذي كان يستبعد المشاركة الشعبيَّة ويُخضع الحياة السياسيَّة لمستوىٍ عال من الضبط والسيطرة.

امَّا الآن وقد كفَّت الحكومة عن الإنفاق على المجتمع وعلى نفسها ممَّا كانت تحصِّله من مساعدات ومعونات (في زمن المعونات والمساعدات الكبيرة)، انسحبت طائعة مختارة من كل القطاعات التي كانت تهيمن عليها، والتي كانت، شئنا أم أبينا، تمنحها بعض المسوِّغات والمبرِّرات لتتحكَّم بالحياة السياسيَّة وتسيِّرها وفق هواها، فما الذي بقي من المبرِّرات لها الآن لتواصل الهيمنة نفسها، وتحول دون تطوُّر الحياة السياسيّة باتِّجاه ديمقراطي، وباتِّجاه إطلاق طاقات المجتمع، خصوصاً وأنَّها هي نفسها الآن تأخذ مصروفها الخاص من جيب هذا المجتمع؟
   الاستمرار في سياسة رفع الأسعار، والاعتماد المتزايد على جباية الضرائب، يتطلَّبان نوعاً آخر من العلاقة بين الحكومة والناس، ويتطلَّبان سياسات تراعي إلى حدٍّ كبير مشاعر وحساسيَّات الناس، وأيضاً، اتِّباع سياسة أخرى للأجور والرواتب وتقديم الخدمات. والخطوة الأولى التي لا بدَّ منها على هذا الطريق هي اعتماد سلَّم للأجور مربوط بسلَّم الأسعار والضرائب.
E-mail: [email protected]

التعليق