حوار الحضارات في القرن الحادي والعشرين: رؤية إسلامية للحوار

تم نشره في الثلاثاء 4 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

    يبحث الكتاب موضوع الحوار بحد ذاته، وليس كما يوحي العنوان، وربما يكون هذا الموضوع (الحوار) كما يراه المؤلف أهم مشكلة في عالمنا اليوم، وحسب المؤلف يقتضي الحوار التجاوب بين طرفين يتبادلان الكلام مخاطب و مخاطب أو متحدث و متلق بغرض الوصول إلى رأي أو استنتاج واحد من هذا الكلام، يعتمد فيه على مقدمات ومبادئ مشتركة مسلم بها عند هذين الطرفين. ولا إمكان لمتابعة الحوار إلا إذا كان أحدهما موافقا للأخر، وتابعا له في الاستنتاج نفسه، ومتدرجا معه فيه. وحين يتحول الموقف بينهما إلى ما فيه تقابل أو تناقض، فإن التحاور ينقلب إلى جدل.

 والحوار في بعض الأحيان ليس قاصرا على الكلمات اللسانية المسموعة التي ينطقها البشر بل يتجاوز إلى غير ذلك، وقد تعرض لها الكاتب في كتابه هذا، فقد يتجاوز إلى الإشارة الموضحة، البسمة المشرقة، الحس الخافق، العمل الصالح، والموقف الصالح بل حتى الصمت.

     أما الجدل فهو يعني المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وعلم الجدل كما يراه بعض العلماء هو علم يقوم على مقابلة الأدلة لإظهار أرجح الأقوال الفقهية، وعرفه بعض العلماء بأنه يقوم على حفظ أي وضع يراد ولو كان باطلا، وهدم أي وضع يراد و لو كان حقا، فهو قدرة أو ملكة يؤتها الشخص، ولو لم يحط بشيء من الكتاب و السنة أو نحوهما.

    ومن خلال التعريف الوارد في الكتاب لكل من الحوار والجدل نستشف أن الحوار أوسع دلالة من الجدل، فكل جدل حوار وليس كل حوار جدل، وأن كثرة ترداد الجدل في القرآن  كان أكثر من الحوار، وهذا ما يعكس الواقع الذي عايشته الأديان السماوية، والدين الإسلامي على وجه الخصوص، وما واجه الأنبياء عليهم السلام من تحديات، وهي تحديات فكرية واجتماعية وسياسية، إذ يتحول الحوار إلى جدل في أحايين كثيرة من قبل الكفار والمشركين والمنافقين، بهدف الابتعاد عن الهدف الحقيقي الذي جاءت به الأديان السماوية إلى البشرية جمعاء في الهدايـة والإيمان والتوحيد.

مشروعية الحوار في الكتاب والسنة:
     المنظور الإسلامي للحوار ينطلق من المبادئ السامية التي تدعو إلى الكلمة سواء القائمة على العدل والإنصاف، أو القبول بالاختلاف، والتي هي في الأصل سنة كونية في القضايا المشتركة ومجالات التعاون الإنساني والحوار على هذا النحو الراقي، ومن أجل هذا الهدف السامي، ضرورة من الضرورات التي يقتضيها انتظام سير الحياة على خطوط سوية، تفرضها طبيعة العمران البشري، لذلك كان الإسلام السباق إلى الحوار مع الأخر والانفتاح عليه، ولم يكن هذا الحوار طارئا أو اضطراريا أو براجماتيا بل أن هذه المشروعية ثابتة بنصوص قرآنية وأحاديث نبوية وسلوك نهجه الصحابة والتابعون والعلماء بعد ذلك، باعتباره أمرا إلهيا، فقد مارس المسلمون الحوار على مستويات مختلفة مع شتى الحضارات والديانات التي تختلف في فكرها و فلسفتها مع الرسالة السماوية، لكن المشروعية الإسلامية ضمت هذا الحوار واعتبرته فريضة ومنهاجا، و بالتي هي أحسن وأسهمت هذه الحوارات والمجادلات في خلق مناخ إيجابي ملائم لاستعراض الأفكار وطرح القضايا الخلافية.

 ومن خلال تتبع مسالك الحوار القرآني نجده كتاب وحي بالفعل والنظر، وأن حوار القرآن الكريم واستدلاله، الهدف منه إيضاح الحق، وقد تناول الكاتب بعض إن لم نقل جل  الحوارات التي وردت في القرآن وبشكل مفصل ومثير اهتمام  كل موحد بالله، وهي بالترتيب الذي جاء في الكتاب كالتالي: حوار الخالق عز وجل مع إبليس،حوار نوح مع قومه، حوار هود مع قومه، حوار صالح مع قومه، حوار إبراهيم مع أبيه وقومه، حواره مع النمرود،حوار شعيب مع قومه،حوار موسى مع فرعون وقومه والعبد الصالح، الحوار مع الملحدين، الحوار مع المنافقين ، مع المشركين.

 هذا بالنسبة لمشروعية الحوار في القرآن، أما بالنسبة لمشروعيته في السنة فلا شك أن هذه الأخيرة استقت مشروعية الحوار ومرتكزاته من القرآن الكريم حيث أنه كان هو المعين والمرجع لكل ما جاءت به السنة المطهرة، وقد تعرض الكاتب إلى أمثلة من الحوارات التي ثبتت في السنة النبوية من ذلك حوار الرسول -صلى الله عليه وسلم - في غار حراء، وبعض الحوارات الأخرى التي كانت لها نتائج مهمة وثمار في الدعوة الإسلامية وغير ذلك من الحوارات القيمة التي تنشد مكارم الأخلاق والقيم الإنسانية.

المنهجية في الحوار
     وفي الفصل الثالث تعرض الكاتب إلى أهمية المنهجية في الحوار، إذ يجب أن تتوافر فيه شروط ومقومات وآداب معينة، ثم تعرض بعد ذلك إلى عوائقه التي هي تحصيل حاصل لعدم مراعاة الجوانب السابق ذكرها، حيث أشار إلى أهم هذه الشروط وبدقة وهو يرى أن أساس نجاح الحوار هي المنهجية الضابطة بتوفر شروط أهمها: التكافؤ، الاحترام المتبادل، تحديد أهداف وقضايا الحوار، تهيئة الأجواء الهادئة للحوار، الإنطاق من المبادئ المتفق عليها.

  أما بالنسبة لمقومات الحوار فقد ذكرها بتفصيل أكثر كما يلي: حسن الاستدلال، وأن يكون البرهان صحيحا، أهلية المحاور من حيث العلم والثقافة الواسعة والمعرفة بالقضية المطروحة للحوار، التجرد وقصد الحق، الرضا والقبول بالنتائج التي يتوصل إليها المتحاورون، الإيمان بالله وعدم الشرك به والتعاون في المشتركات الإيمانية بين أطراف الحوار،وأخيرا التمسك بالأخلاق الحميدة والقيم العامة.

  وأهم ما جاء به الكتاب آداب الحوار التي تضمن سلامة الحوار ونجاحه، وللخروج إلى الغاية المنشودة التي تتمثل باختصار شديد في: حسن الخطاب بالتزام القول الحسن وتجنب الازدراء والتسفيه بين المتحاورين، تقديم الخصم واحترامه، الالتزام بوقت محدد في الحوار والمناقشة عند كل طرف من الأطراف، وأن يصدر الحوار عن قاعدة قدرها أحد الأئمة الأعلام من المجتهدين المسلمين، وهو الإمام الشافعي رحمه الله وهي : (قولي صواب يحتمل الخطأ، و قول غيري خطأ يحتمل الصواب)، حسن الإنصات والإستماع وتجنب المقاطعة بإعطاء الفرصة الكافية للأخر.

الحوار في التاريخ الإنساني
     تعرض الكاتب إلى أهم الحوارت الإنسانية وأعرقها، وكمثال عن هذه الحوارات نشير الى أول حوار في التاريخ الإنساني عند خلق آدم عليه السلام، عندما أمر الله سبحانه وتعالى إبليس أن يسجد لأدم، فرفض هذا الشيطان الرجيم السجود، فعصى ربه وأطاع هواه ونرجسيته المتعالية على بشرية آدم، وقد سرد لنا القرآن الكريم العديد من الآيات البينات ، قصة الحوار الذي دار بين إبليس وخالقه عز وجل، وقد ورد في البحار عن قصص الأنبياء عن الإمام جعفر قال: أمر إبليس بالسجود لآدم فقال كما ورد عن ذلك: يا رب وعزتك إن أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنك عبادة ما عبدك أحد قط مثلها، فقال الله عز وجل : إني أحب أن أطاع من حيث  أريد.

ثمرات الحوار في مجال الدعوة ، التربية والثقافة
       للحوار ثمرات وإيجابيات عديدة في حياة البشر لكونها دعوة ربانية من الله سبحانه وتعالى لأنبيائه وعباده أجمعين، كحوار الخالق عز وجل لإبليس وهو الذي خالف أمره عندما طلب – سبحانه عز وجل-  منه أن يسجد لأدم، ولا شك أن للحوار ثمرات كثيرة للبشرية جمعاء لأنها دعوة جاءت من الخالق، وهو الأعرف بقلوبهم وعقولهم ونفسياتهم، وقد أثمرت الكثير من الحوارات عبر التاريخ الإنساني في مجال الدعوة والتربية والثقافة من خلال إجلاء الكثير من الحقائق والتبصير بها والاهتداء للحق والصواب، وإيجاد المؤمن الصالح والمتواضع والمتوازن في حياته، وأوجدت المثقف المنفتح المبدع والمعرفة الحقة والكلمة الصادقة النافعة وفي هذا الفصل الكثير من الثمرات التي سردها الكاتب بالقدر المتاح.

 ولعلنا لا نغالي إذا قلنا أن الحوار الثقافي في كل المجتمعات يلعب دورا إيجابيا في التغلب على العنف والتطرف والتعصب ، لأنه يسهم في إلغاء الاحتقان داخل المجتمعات، ويعمل على انسيابية الحوار وهو بذلك يفتح الانسداد المغلق على الفكر الأحادي عند البعض تجاه الأفكار التي تقبل النقاش والحوار، وتنفتح بالتالي أفاق التعدد والتنوع والتسامح.

 فالحوار الثقافي ثمرة عظيمة في حياة المجتمعات وأثره يمتد إلى كل مجالات الحياة، بحكم ما تمثله الثقافة من تأثير وامتداد لكل مناحي النشاط الإنساني، المهم أن تصدق النيات، وتتبلور المواقف، وتلتقي الأفكار والأطروحات حول الهدف الأسمى للخير والرقي والتقدم، فالحوار في النهاية ضرورة إنسانية، يجب انتهاجها وقبولها كصيغة إيجابية لكل المشكلات والتوترات والانسدادات السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية.
حوار الحضارات في القرن الحادي والعشرين (رؤية إسلامية للحوار)
عبدا لله علي العليان
بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
الطبعة الأولى، 2004
259 صفحة

التعليق