عام جديد... وأحلام قديمة

تم نشره في الاثنين 3 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

   عام حل وآخر ارتحل، وبين الحل والارتحال ولدت آمال وماتت أحلام، وليعود سيزيف إلى صخرته يبدأ صعوده من جديد. عام حل وآخر ارتحل، وبين الحل والارتحال ترددت ألفاظ وعبارات لم تعد تعني لقائليها أو لسامعيها الكثير: (كل عام وأنتم بخير)، (في الناس المسرة وعلى الأرض السلام) !! أي خير وأية مسرة وأي سلام؟!

 

   كيف تبقى معان للخير وقد استفحل الشر وأوشك الخير أن يغادر آخر مكامنه، فلا الخير خير، ولا الشر شر، بعد أن فقد العالم قيمه وأصبح غابة قانونها القوة وشعارها البقاء للأقوى وليس للأصلح؟ ضاع العدل على أعتاب المحاكم وبيعت الحرية في أسواق العبيد، واستشرى الفساد وعم الظلم الكرة الأرضية. ولم يغمض العام الراحل عينيه حتى خطف أكثر من مائة ألف من الأرواح البشرية البريئة في غضبة جامحة مفاجئة، ربما كانت احتجاجا على ظلم البشر! الغريب المدهش أن ما فعلته الطبيعة كان من جنس فعل البشر، فضحاياها كانوا هم أنفسهم ضحايا ظلم البشر: الضعفاء والفقراء والمظلومين !

 

   ونظرة في بداية العام الجديد إلى (بضاعة آخر المدة) لا تبعث على شيء من التفاؤل، إذ نجد أن القضايا العالقة هي نفسها التي كانت عالقة مع بدء العام المرتحل، خصوصا تلك التي تخص منطقتنا العربية. ففي فلسطين والعراق يستمر الحال على ما كان عليه: احتلال وقتل ودمار وتخريب، وانعدام لأبسط شروط الحياة الإنسانية، بينما مطارق جورج بوش وأرييل شارون تنزل على رؤوسنا وتعيد علينا الكلام الفارغ عن التحرير والسلام والإصلاح والديمقراطي. كلام يحمل نقيضه، ولأول مرة في التاريخ ربما يجلب التحرير العبودية، ويعني السلام الاستسلام، ولا يكون الإصلاح غير شرعنة أنوع معينة من الفساد، بينما تعني الديمقراطية الخضوع للمحتلين طوعا واختيارا !

 

   أما سوريا ولبنان، فالتهديدات لهما تستمر والضغط عليهما يتواصل، والمطلوب منهما هو نفسه المطلوب من فلسطين والعراق: الاستسلام والخضوع لقوانين بوش وشارون. وبقية الدول العربية، في المشرق كما في المغرب، بين مستسلم عاقل (اتعظ بغيره) وبين مستسلم أقل خبرة (اتعظ بنفسه)! والشعوب العربية تتكاتف عليها ضغوط الخارج والداخل، وتزداد الصعوبات أمامها في طريق تأمين الحدود الدنيا من احتياجاتها الضرورية، ولم تعد تتطلع إلى أكثر مما يساعدها على بقاء ذليل وقد ازدهرت أكثر من حكمة وصلت إليها من أكثر العصور انحطاطا، وفقهاء الأمة وعلماؤها آثروا السلامة في معظمهم، فالتحريم كثير والإرجاء أكثر، والابتعاد عن مواطن التهلكة رأس الحكمة، وتأييد (أولي الأمر) أضمن وصفات الأمان !

 

   وتبقى فئة قليلة ترفض الخضوع للقوانين الجائرة والقواعد الفاسدة، ترى أن الإنسان لا يحصل في هذه الدنيا إلا على ما يستحق وما هو جدير به، عبر الجهد والعمل والتضحية والوقوف في وجه الظالم والمستبد والمستعمر. هذه الفئة هي التي تحمل الأمل للكثرة  الضعيفة والعاجزة، فئة قليلة لا تملك الكثير لكنها تملك الإيمان بأن الله خلق الناس أحرارا   وأن من حق من وقع عليه الظلم أن يقاتله من أجل حياة حرة كريمة.

 

   لقد أهلك الذين قبلنا أنهم رأوا الظالم فنصروه، ورأوا المظلوم فلم يدافعوا عنه، فكيف إذا كان المظلوم هو الساكت عن الظلم الواقع عليه؟ أوضاعنا العربية، كما هي اليوم لا تسر وليس فيها ما يقول إنها ستتغير إلى الأحسن إن استمرت الحال على ما هي عليه. لكن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وعلى شعوب هذه الأمة أن تغير ما بنفوسها لتتغير حالها. إن العمل الجاد لإيجاد صيغة تستنهض الشعوب العربية هي المهمة الأولى والأكثر إلحاحا في بداية العام الجديد، وهي مهمة موضوعة على كاهل الحكام والمحكومين على حد سواء. ولا عذر لمن يتخاذل أو يقصر في ما يتوجب عليه أن يفعل في إطار هذه المهمة التاريخية.

ويبدأ عام جديد 000 ويظل الأمل أن تتحقق فيه أحلام قديمة.    

التعليق