في غياب الكاميرا تضيع الحقيقة بين طوفان من الكذب

تم نشره في الأحد 2 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

منذ عام مضى تجولت في العراق من شماله الى جنوبه، لم يكن الوضع الامني سيئا كما هو الحال هذه الايام، نعم  شاهدت بعض السيارات العسكرية والشاحنات المحترقة، وشعرت بالخوف حين حاولنا اجتياز الارتال العسكرية المحروسة بالاسلحة الرشاشة، واحسست بضغط الانفجار حين اجتزنا بضع دبابات استهدفتها قذائف مزروعة على الطريق، ولكن لسوء الحظ لم يتركنا سائق سيارتنا نلتفت خلفنا بل اندفع باقصى سرعة الى طريق فرعي خوفا من اطلاق النار العشوائي الذي دأب الجيش الامريكي على القيام به بعد كل عملية ضده .

 

لقد غدا الوضع الان اصعب بكثير، فبعد انتشار اخبار الاختطاف والذبح ضد الصحفيين الاجانب، ترك  الكثير منهم العراق  طلبا للنجاة، ومن بقي فقد تحصن في فنادق تعد زبائنها بالامن والامان عارضة مجموعة من الرجال المسلحين الذين يجوبون مداخلها وصالاتها، ولكن كل تلك الوعود لم تتحقق، فقد فجرت  بعض الفنادق التي ادعت انها محصنة، مما دفع الكثير من الصحفيين للبحث عن ملاجئ آمنة في المنطقة الخضراء او في معسكرات الجيش الامريكي.

 

اتصل بي صحفي امريكي طالبا مساعدتي ونصيحتي لانه ينوي الذهاب الى هناك في الذكرى الاولى (للتحرير) كما يحب ان يسميها، وبعد عدة اشهر سألته ان كنت قد افدته، فرد بقوله انه لم يذهب الى أي مكان خارج القاعدة الامريكية وانه ياسف لانه لم يستطع ان يفعل شيئا خلال وجوده في بغداد، وانهى الحديث بقوله: انا سعيد بخروجي من ذلك البلد.

ان نقل الخبر من العراق اصبح صعبا، والكثير من الاحداث لايتم تغطيتها كما يجب، فحركة الصحفيين والمصورين اصبحت ثقيلة وصعبة وتتطلب الكثير من التحضير الوقائي الذي قد يكون تاثيره سلبيا على دقة الخبر وصحته.

شعرت المقاومة العراقية بضعف تغطيتها الاعلامية، فاستخدمت اجهزة تصوير الفيديو الصغيرة المحمولة، وسجلت انجازاتها وبثتها على شبكة الانترنت لتقول للناس انها موجودة وان لها شوكة تؤذي المحتل وتدميه، فقد صورت منذ فترة مقطعا بعنوان (سيطرة المقاومة على شارع حيفا) ظهر فيه اعداد كبيرة من المسلحين في اهم شوارع بغداد، مستعرضين ما لديهم من سلاح، يتحدثون مع بعضهم ويجوبون الشارع بسيارات تظهر منها رشاشاتهم ثم انتهى الفيلم بصلاة الجماعة التي ادوها على الرصيف، في دلالة واضحة على اطمئنانهم وقوتهم.

 

اما الفيلم الاخير الذي ظهر للجمهور فهو عن العملية التي نفذتها المقاومة يوم 21 ديسمبر/ كانون أول ضد قاعدة امريكية في الموصل، فقد ظهر ثلاثة ملثمين، قرأ احدهم بيانا حاثا فيه على الجهاد ثم سلم على زميل له ربط نفسه بحزام من المتفجرات، ثم ظهرت الكاميرا وهي تصور خيمة الطعام من بعيد على خلفية صوت مؤذن الصلاة، ثم دوى صوت الانفجار تبعه عمود الدخان المتصاعد، وانتهى الفيلم بمرور الكاميرا بمحاذاة الخيمة المحترقة مصورة تفاصيل العملية ومكانها.

 

ان مثل هذه الامور تذهب بعقل قوات الاحتلال، ولهذا السبب فانها تراقب وعن كثب مقاهي الانترنت  واقتحمت الكثير منها في الايام الماضية وخصوصا في المثلث السني وفي مدينة الموصل في محاولة منها لوقف نشر مثل تلك الافلام.

 

إن ما يحدث في العراق اكثر مما يسمعه الناس ويشاهدونه، فالبلد في حالة حرب فعلية حيث يتساقط الناس يوميا بالعشرات ان لم يكن بالمئات، والوضع متأزم وينذر بالتطور والانفجار.

 

نشرت صحيفة الغارديان اللندنية تقريرا عن ضحايا الحرب هناك، اقتطفت لكم منه مايلي للدلالة فقط على قسوة الحرب وشدتها:

 

خلال الاربعة اشهرالستة الاخيرة من سنة 2004 سقط 600جندي امريكي.

جرح حوالي عشرة الاف جندي امريكي، ربعهم خلال الاشهر الاربعة الاخيرة من عام 2004 .

 

زادت العمليات العسكرية ضد القوات الامريكية من 1400 عملية في سبتمبر/ أيلول الى 1600 في اكتوبر/ تشرين أول، حتى وصلت الى 1950 عملية في نوفمبر/ تشرين ثاني من العام نفسه.

 

اعلن البنتاغون ان عدد القتلى من الجيش الامريكي في عام 2004  هو 838 شخصا ، 700 منهم قتلوا في عمليات عسكرية، وهو اعلى رقم تعلن عنه القوات الامريكية منذ حرب فيتنام .

 

متوسط قتلى الجيش الامريكي شهريا 62 شخصا خلال النصف الاول من السنة، ارتفع الى 78 خلال النصف الثاني من السنة .

 

ساكتفي بهذه الارقام للدلالة على حجم المعركة الدائرة هناك، ولكن الارقام في حقيقتها لاتكفي، فهي في نهاية المطاف ارقام لا تعطينا الصورة بتفاصيلها ولا نعرف ما هي خلفياتها, ولا تحرك عواطفنا، بل هي ارقام جامدة لا روح فيها.

 

ان ما يعوض كل ذلك هي الصورة الحية التي يتحرك ابطالها فيها فيحولونها الى سلاح شديد التاثير، فيعلنون عن وجودهم وعن اهدافهم حتى لايترك الامر لمن ياتي بعد ذلك فيحرف ويضيف وينقص وتضيع الحقيقة في طوفان من الكذب.

 

تعلم المقاومة العراقية وقوات الاحتلال الامريكي على حد سواء قوة تأثير الكاميرا في ارض المعركة، وعندما تمنع الاخيرة تواجد الصحافة يجب ان تعوض المقاومة ذلك باي وسيلة كانت.

َQatar877@hotmail.com

التعليق