السعودية وإرهاب أبعد من التطرف الهوس

تم نشره في السبت 1 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

الجرائم التي وقعت في مدينة الرياض مستهدفة مكاتب حكومية ورجال الأمن تحمل دلالات أبعد في تفسيرها من عمليات يقوم بها متطرفون يفهمون الجهاد والإسلام على نحو فيه غلو ومبالغة وجهل برغم صحة هذه القراءة، لكنها قراءة غير كافية، ولا تفسر ما يجري، ولا تجيب على أسئلة بديهية حول هذه الجرائم والسياق الإقليمي والدولي والتاريخي.

 

 فهي جرائم يعلم منفذوها ومخططوها ومنظروها تماما أنها لا تزيل منكرا ولا تحيي سنة، وأنها ليست أكثر من إثارة الفوضى والتهديد والابتزاز، وهم يعلمون تماما أن الهيمنة الأمريكية لن يضرها قيد شعرة مقتل رجل أمن ينظم المرور ويحمي مصالح الناس ويخدمهم، ولا تفجير مركز تجاري يغص بالمتسوقين ممن لا يكاد يعلم بكثير مما يجري من أحداث في العالم، وما يعتبره هؤلاء منكرات يجب إزالتها ليست أمرا جديدا ولا حدث بالأمس، فالمملكة العربية السعودي تتبع سياسات وأنظمة وتشريعات بدأت منذ تأسيسها، فإن كان ثمة منكرات فهي موجودة منذ عشرات السنين، ولم تكتشف بالأمس، والسياسات والمواقف السعودية ربما تكون اليوم هي الأقرب في العالم الإسلامي من مناصرة وتأييد قضايا العرب والمسلمين، والتصدي للهيمنة والاحتلال، ثم هي تمضي في برامج إصلاحية لتحقيق مزيد من المشاركة والحريات أفضل من أية فترة سابقة، فما الذي تغير إذن؟ ولماذا تجري هذه الجرائم في السعودية دون دول أخرى  هي في أحسن وصف لا تختلف عنها في سياساتها ومواقفها، بل هي أبعد عن الإسلام وأقرب إلى الولايات المتحدة؟

 

ما تغير هو السياسات الأمريكية، فمنذ منتصف التسعينات بدأ الخلاف بين السعودية والولايات المتحدة حول السياسات العالمية والقضية الفلسطينية، فالولايات المتحدة الأمريكية لم يعد يروق لها تبادل المصالح بين الدول، وبدأت تسعى في عملية إلحاق وفرض تبعية سياسية واقتصادية لدول العالم، وتمثل السعودية عقبة كبيرة أمام مشروعات الهيمنة السياسية والاقتصادية العالمية، ففي مواقفها السياسية من القضايا العربية والإسلامية وأهمها قضية فلسطين والعراق، وفي برامجها وسياساتها الاقتصادية مظلة تحتمي بها دول ومجتمعات كثيرة، وتستفيد في كفاحها لتحقيق التنمية والنهوض أكبر بكثير مما يبدو للوهلة الأولى.

 

فالملايين الستة من غير السعوديين الذين يعملون في السعودية تشكل حوالاتهم المالية جزءا أساسيا من اقتصاديات عشرات الدول يحميها من العجز التجاري أو يخفف منه كثيرا، وتشكل دعما كبيرا لشبكات عملاقة من الأسر والمشروعات الاقتصادية والتنموية الصغيرة، وتقوم عليها مصالح ومنظومات اقتصادية حول العالم، والاستثمارات السعودية تشغل حراكا اقتصاديا واجتماعيا في عشرات الدول تعتمد عليه الدول والمجتمعات، والمساهمات السعودية في الصناديق والهيئات الدولية والإقليمية مثل بنك التنمية الإسلامي، ومنظمات الجامعة العربية، والأمم المتحدة، والمؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، والمكاتب والمنظمات المتفرعة عنها، وغيرها كثير تحقق قدرا مهما من التضامن والعمل الإقليمي والعالمي المشترك وتساعد الدول وتحميها من الهيمنة والإلحاق، والمجتمع الأهلي السعودي يساهم في شبكة من التبرعات والمساهمات تقوم عليها ملايين المؤسسات من المساجد والمدارس والكليات والمستوصفات والمراكز الطبية وآبار المياه وكفالات الأيتام والمشروعات التنموية.

 وبالمناسبة فإنها تجربة مدهشة يجدر بالعالم أن يستفيد منها، تقوم على شراكة مبدعة بين المجتمع الأهلي السعودي من المؤسسات والتجار والمحسنين والمواطنين السعوديين العاديين والمغتربين المقيمين في السعودية من متوسطي الحال وبين مجتمعات ومؤسسات صغيرة في جميع أنحاء العالم، وتتراوح هذه المساهمات بين نسبة 10% إلى 100% لكنها تنشئ حالة من الحراك الاجتماعي والاقتصادي والتنموي والتطوعي تفوق بأضعاف كثيرة قيمتها المالية المباشرة.

 

هذه الشبكة العملاقة تمثل حصانة كبرى للدول والمجتمعات في آسيا وأفريقيا والمجموعات الإسلامية في العالم، وتستفيد منها في حماية الاقتصاديات والثقافة الوطنية، وفي التقليل من آثار الدمج القسري المجحف الذي تقوم به الولايات المتحدة للاقتصاد العالمي في آلتها الاقتصادية والسياسية الاحتلالية، وتحقق للعالم الثالث والمستضعفين في العالم عولمة بديلة تحميهم من العولمة المتوحشة التي تقودها الولايات المتحدة.

 

لا يمكن الفصل بين هذه الجرائم وبين الهجوم الأمريكي والإسرائيلي الرسمي والإعلامي والشعبي على المملكة العربية السعودية وملاحقة المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين ومحاصرتهم والإضرار بهم، فهي في سياق واحد وتبدو في خطة واحدة، ومهما كانت نوايا المنفذين فإن ما يحققونه ليس أكثر من العمل على ابتزاز السعودية والدول الأخرى والضغط عليها لإلحاقها بموجة الاحتلال والهيمنة.

 

وسطحية هذه الجرائم واختيارها للأهداف السهلة وللأبرياء تؤشر على مسائل ثلاث:

الرغبة المباشرة في نشر الفوضى والابتزاز وليس إنكار المنكر

 

عزلة المنفذين وعجزهم

 

قوة المؤسسات السعودية الرسمية والأهلية وتماسكها، فالجرائم والاختراقات تنجح حتما في حالة الفوضى والضعف.

 

 

التعليق