بالون بلير ودبوس شارون!

تم نشره في الجمعة 31 كانون الأول / ديسمبر 2004. 02:00 صباحاً

 كثرت في الأشهر الأخيرة تصريحات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير حول عزمه على بذل جهود جادة لحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي في السنة الجديدة. وكانت تلك التصريحات تبدو للمدقق وكأنها تأتي نيابة عن الرئيس الأميركي جورج بوش بوصفهما شريكان في (الحرب على الإرهاب) التي تواجه التعثر في العراق لتحسين صورتيهما وكجزء من محاولات إنجاحها، وفي الوقت نفسه، كمحاولة للتخفيف من حرج الحكام العرب الذين اصطفوا إلى جانبهما في هذه الحرب، بينما يتابع المواطن العربي ما تفعله قواتهم في العراق وقوات حليفهما شارون في فلسطين المحتلة.

 في هذا السياق أعلاه جاءت دعوة بلير لعقد (مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط). ومنذ البداية لم تتحمس تل أبيب للدعوة كما تحفظت عليها واشنطن، بعد ما لاحظت رأي حكومة شارون في الموضوع. وفي شهر نيسان/ابريل الماضي، قام بلير بزيارة لواشنطن، وبعد محادثاته مع بوش بدا وكأن الموقف الأميركي قد تغير، والحقيقة أن مضمون دعوة بلير هو الذي كان قد تغير! فبعد أن تركت دعوة بلير انطباعا بأنها تتعلق بعقد (مؤتمر دولي للسلام)، بمعنى أن المؤتمر كان سيبحث في حلول القضية الفلسطينية بما في ذلك ما يسمى (قضايا الوضع النهائي)، أصبحت الدعوة تعني البحث في (سبل استئناف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، ومن ثم التفاوض على تطبيق ما يسمى (خريطة الطريق) !

 وظل شارون على تحفظه وظلت حكومته، بعد التعديل الذي جرى على مضمون دعوة بلير، ترفض فكرة عقد المؤتمر وتعلن أن إسرائيل لن تشارك فيه. وبوصول بلير إلى تل أبيب ولقائه مع أرييل شارون (21/كانون الأول الجاري)، تحول(المؤتمر الدولي للسلام) إلى مجرد (لقاء لبحث مساعدة السلطة الفلسطينية الجديدة لإجراء الإصلاحات الضرورية لتنفيذ خطة شارون في غزة، ومن ثم استئناف المفاوضات حول خريطة الطريق) !

 هكذا انفجر بالون بلير بغزة واحدة من دبوس شارون ! ليس هذا وحسب، بل تحول بلير من صاحب مبادرة لحل قضية مستعصية إلى متطوع في تبرير تعنت شارون ورفضه لأي جهد يمكن أن يفتح بابا للحديث عن السلام على أسس ومن منطلقات صحيحة. فمن خلال التوضيح الذي قدمه بلير في القدس المحتلة ورام الله المحتلة بشأن الهدف من دعوته لعقد المؤتمر العتيد، رفع عن كاهل شارون عبء الظهور بمظهر المعرقل لجهود السلام، حيث ترجم بلير إلى اللغة الإنجليزية ما قاله شارون تبريرا لعدم حضوره المؤتمر: المؤتمر سيبحث أمورا فلسطينية وليس مطلوبا من شارون حضوره ولكنه سيبلغ بنتائجه ! ولم يكن مكلفا لشارون بعد ذلك أن يؤيد عقد المؤتمر وإن كان لن يحضره !

 أكثر من ذلك، ووسط حديثه عن (مساعدة السلطة الفلسطينية) لتمكينها من إجراء الإصلاحات الضرورية في مؤسساتها، شدد على (الإصلاحات الأمنية) ووضع (جدولا عمليا) وخطوات محددة لتقديم تلك المساعدة، قال إنه كان قد اتفق عليها مع الرئيس الأميركي جورج بوش، على النحو التالي:

1)اختيار رئيس جديد للسلطة الفلسطينية، وسيتم ذلك من خلال الانتخابات الرئاسية المقررة في التاسع من يناير/كانون الثاني المقبل.
2)إجراء الإصلاحات الإدارية والاقتصادية والأمنية المطلوبة.
3)تنفيذ (خطة شارون للانسحاب) أحادية الجانب من غزة.
4)استئناف المفاوضات والعودة إلى خارطة الطريق.
    هذه الجدولة التي وضعها بلير، بالاتفاق مع بوش، ليست سوى ترجمة حرفية لشروط شارون من أجل استئناف المفاوضات.

 فلو تركنا انتخاب الرئيس والإصلاحات الإدارية والاقتصادية جانبا، لوجدنا أنها تشترط إجراء (الإصلاحات الأمنية) قبل البدء في تنفيذ ما يسميه شارون (الانسحاب من غزة) ، وهذا يعني دون لف أو دوران أن بلير وبوش يزاودان على شارون نفسه لصالح شارون ! فالمعروف أن (خطة شارون للانسحاب من غزة) هي خطة أحادية الجانب جاءت تحت ضغط المقاومة الفلسطينية وللحد من الخسائر التي تتكبدها قوات الاحتلال في القطاع الباسل، وأن شارون فعل كل شيء حتى الآن في الليكود والحكومة والكنيست حتى أنه تخلى عن ائتلافه الحكومي السابق، من أجل أن ينفذ خطته من جانب واحد ولم يكن يشترط لتنفيذها أية شروط على الجانب الفلسطيني ولذلك هي (أحادية الجانب). أما إذا كان المقصود بذلك هو تنفيذها بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية الجديدة فليس في هذا الأمر  انتصار كبير لأن هذا (التنسيق) لن يغير مما سينفذ دونه ولأنه لن يكون بلا ثمن !

لكن اشتراط إجراء (الإصلاحات الأمنية) المطلوبة، ونحن نعرف ما تعنيه في المفهوم الإسرائيلي والشاروني على وجه التحديد، يعني أن شرط (وقف العنف وإعلان الحرب على منظمات الإرهاب وتفكيك بناها التحتية) قائم عند بلير كما هو قائم عند شارون وبوش. وهذا بدوره يعنى أن (الانسحاب) المزعوم من غزة أصبح مشروطا (بوقف العنف الفلسطيني) أيضا  ! وأنه لن يكون هناك استئناف للمفاوضات ولا عودة إلى (خريطة الطريق) إن شاء شارون قبل ذلك.

  إن بلير بـ(مبادرته الجديدة) و(جهده الجاد) لا يدس السم في الدسم، على عادة السياسة البريطانية وطريقتها المعهودة، بل يقدم السم علنا فقط ملفوفا بالسوليفان مع بطاقة مكتوب عليها: (مع حب بريطانيا وتقديرها للشعب الفلسطيني) ! ومبادرة بلير هي جهد جاد في خدمة شارون وإسرائيل والصهيونية، يواصل بها جريمة بريطانيا التي بدأت بوعد بلفور وقبله. ومن دواعي السخرية المرة أن يكون هناك من تصور أن الشعور بالذنب بعد كل هذه السنوات أيقظ ضمير بريطانيا ممثلة في رئيس وزرائها توني بلير ! وكان على هؤلاء أن يتذكروا أن الموتى لا يستيقظون إلا يوم القيامة... !!

التعليق