العودة إلى مربع الإمبريالية رقم واحد

تم نشره في الجمعة 31 كانون الأول / ديسمبر 2004. 03:00 صباحاً

طلب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير من قادته العسكريين أن يكونوا على جهوزية تامة لإرسال قوات بريطانية للتدخل في السودان أثناء العام الجديد" قد يبدو هذا الخبر على صورته تلك أنه آت من زمن كانت فيه النزعة الإمبريالية في أوجها حينما كانت السودان تحت الإمرة البريطانية. لكن الخبر نشرته يومية الأندبندنت البريطانية  بتاريخ 26 ديسمبر 2004 لتوضح أن بلير قرر إرسال قوة بريطانية من ثلاث آلاف جندي لدرافور وستكون تحت مظلة قوة التدخل السريع التي أسسها الأتحاد الأوروبي بضغط من بلير نفسه.

ثمة فلسفة ما تحكم رؤية بلير تلك . فرئيس الوزراء البريطاني من أشد المتحمسين لفكرة إعادة صياغة العلاقات الدولية بما يتيح للسماح بفكرة التدخل بغرض إنساني وهو أمر من شأنه أن يضع قيودا لمفهوم سيادة الدولة.

ولا يتوقف الأمر بالنسبة لبلير الذي يحمل إرث إمبراطورية آفلة على كتفيه ولديه إيمان ذو نزعة شديدة التطرف بقدرة "الرجل الأبيض" على نشر القيم الجديدة والتي كانت تسمي في العهد الإستعماري "حضارة" ثم يروج لها الأن بعناوين "حقوق الإنسان" "والديمقراطية". كان بلير قد تقدم بوثيقة دعا إلى تبنيها  في مؤتمر عقد في لندن في منتصف يوليو 2003 وشارك فيه قادة أوروبيون ذوو توجهات يسارية بالإضافة لكل من رئيسي وزراء كندا ونيوزيلندا وجنوب إفريقية. تكشف الوثيقة عن رؤية رئيس الوزراء البريطاني التي لا تخلو من أفكار تستلهم من الحالة الإستعمارية التي كانت تمثلها بريطانيا وربما تسعي –عن قصد- لإستعادتها بصورة أو بأخرى. 
 
     تشتمل الوثيقة على إقتراحات تبرر التدخل العسكري ضد من أسماهم بلير بالدول الهشة أو الضعيفة أو الفاشلة. وفق الوثيقة التي سربت للصحافة البريطانية ونشرتها جريدة الديلي تلجراف اليمنية في عدد 13 يوليو 2003 فإن المجتمع الدولي "لابد وأن يكون لديه الحق في التدخل في الشؤون الداخلية للدول الفاشلة وأنه حينما يعاني سكان دولة ما من مشاكل خطيرة نتيجة حرب أهلية أو قمع سياسي أو ضعف الدولة" –لاحظ الأسباب التي يجيز بلير من أجلها التدخل الدولي وضرب الحائط بمفهوم سيادة الدولة- وتكون الدولة غير مستعدة أو غير قادرة على تجنب هذا الأذى فإن مبدأ عدم التدخل سوف يلقي بالمسؤولية على المجتمع الدولي.

 وتبرر الوثيقة في إحدى فقراتها هذا الموقف على أساس أنه بمثل ما للأفراد من حقوق ومسؤوليات فإن الدول كذلك عليها مسؤوليات مرتبطة بحماية مواطنيها.
 
      ورغم أنه قد لا يختلف اثنان على  أن أحد أهم المسؤوليات المنوطة بالدول هو حماية مواطنيها غير أن آخر ما يهدف إليه التدخل الدولي بحجة المهام الإنسانية  الذي يسعي بلير لجعله قانونا وقرارا أمميا هو حماية المواطنين. رؤية بلير تهدف إلى تدشين عصر جديد يستعيد الحالة الإمبريالية لكي  تستطيع مايعرف بـ "دول مابعد الحداثة" أن تؤسس لنظام يتعامل مع عالم -وصفه أحد الدبلوماسيين المقربين لبلير- بأنه "عالم بدائي مؤلف من دول فاشلة".

 ويقول روبرت كوبر أحد الدبلوماسيين البريطانيين المقربين من بلير ومارسوا نفوذا فكريا عليه بأن الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى للعودة إلى الإمبريالية وأنه عند التعامل مع الدول الواقعة خارج النفوذ الأوروبي  يجب تبني طرق أكثر حدة أي إستخدام القوة والضربات الإستباقية والخداع. ويواصل كوبر "علينا إستخدام أي طريقة ضرورية للتعامل مع أولئك الأفراد الذين يعيشون بعقلية القرن التاسع عشر.

 فبين بعضنا البعض-أي في أوروبا- نعمل على الحفاظ على القانون ولكن حينما نعمل في الغابة علينا أن نستخدم قانون الغابة " أنتهت الإقتباسة من كوبر التي أوردها في مقال مهم تحت عنوان "لماذا مازلنا بحاجة إلى الإمبريالية؟".

 أما لماذا يحرص بلير على الزج بقوات بريطانية في دارفور ضمن قوة الإتحاد الأوروبي رغم وجود قوات له بالعراق فقد أوردتها الأندبندنت قائلة بأن" بلير قلق من أن تتغلب فرنسا على بريطانيا في أي مهمة إنسانية في السودان". الأمر إذن لا يتعلق بحماية مواطنين فشلت الدولة السودانية في حمايتهم-رغم أنه لا يمكن إغفال مسؤولية الحكومة السودانية عما آلت إليه الأمور في دارفور- فالأمر في التحليل النهائي  لا يخرج عن  كونه صراعا غربيا على نفوذ تآكل في المستعمرات القديمة وآن أوانا استعادته.

 وبالتالي فإن نظرية بلير التي يروج لها للتدخل في شؤون الدول غير القادرة على حماية مواطنيها سيبدأ تطبيقه في العام 2005  الأمر الذي يؤشر إلى أن ثمة مدا إمبرياليا غير مسبوق قد لا تكون الولايات المتحدة طرفه الوحيد.
صحفية مصرية

التعليق