الدبلوماسية الأردنية وسياسة "الاشتباك الإيجابي"

تم نشره في الخميس 30 كانون الأول / ديسمبر 2004. 02:00 صباحاً

يجد الاردن نفسه مرة اخرى في موقف  لا يحسده عليه الد اعدائه وهو يحاول الموازنة بين المشاعر الشعبية المتأججة في مجتمع مستقطب، وضرورات العمل السياسي لحماية المصلحة الوطنية العليا للمملكة في مواجهة مع لهيب بؤرتين مشتعلتين، على حدوده الشرقية والغربية.

ويزداد الامر تعقيدا بعدما احكم المحافظون الجدد والاصوليون من المسيحيين قبضتهم على مقود السياسة الخارجية للولايات المتحدة عقب الانتخابات الرئاسية التي اعادت جورج بوش مدعوما بقوة الناخبين مرة اخرى الى سدة الحكم، وسط مؤشرات ان واشنطن  ستمعن في سياساتها الامبريالية التي قسمت العالم الى محورين؛ واحد للخير واخر للشر، بيمنا يرى المسؤولون عن رسمه هذه السياسات الشرق الاوسط من خلال عيون اسرائيل وحلفائها من المتطرفين الذين يحكمونها.

اما في جوارنا وعمقنا الاقليمي فان المياه السياسية الراكدة لا تعكس حقيقة  ما يدور في عالم الدبلوماسية الخفية، ومفاوضات الممرات، او الغرف المغلقة والاجتماعات السرية.

فمعظم جيراننا من العرب يتحركون وبسرعة خارقة، وبمزيج من السرية والعلانية،  لترتيب اوضاعهم في مواجهة الاستحقاقات التي ستنتج عنها الانتخابات الفلسطينية والعراقية الشهر المقبل، وان كان الاعلام الرسمي في معظم هذه العواصم لا يزال يستعمل لغة الضد والتخوين وكأنه يتخاطب مع جمهور داخلي معزول عما يدور في المشهد العالمي من حوله.

اذن، القاسم المشترك الان هو ان الجميع يجدون انفسهم في خندق واحد يواجه معركة صراع البقاء والوجود، لا معركة الحدود، بينما ترسم امريكا وحدها معالم شرق اوسط جديد، ضعيف، ومتفكك، ومشغول بمواجهة تحديات داخلية تحتمها اقتصاديات هذه الدول وضرورة بدء معركة الاصلاحات،  وان كانت ستظل مقيدة وبين مد وجزر لسنوات طويلة. فالمرحلة الانتقالية للسلطة الفلسطينية منذ ان غيب الموت الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) تسير بهدوء نسبي وسط توقعات عديدة بفوز رئيس منظمة التحرير محمود عباس  (ابو مازن) برئاسة السلطة. وبعد ذلك، عليه الاستفادة من اجواء الانفراج السياسي تجاه الفلسطينيين، وان يواجه استحقاق اعادة الامل لشعبه من خلال بناء المؤسسات الفلسطينية، وتحسين الحياة المعيشية، واعطاء الفلسطينيين الامل في حل سلمي يضمن لهم حقوقهم الوطنية.

 سورية والتي يبدو انها فهمت مؤخرا حجم التحديات التي ستواجهها اذا استمرت في سياساتها التي تصر واشنطن على انها لا تخدم السلام العالمي والاستقرار، اعلنت انها مستعدة للعودة الي طاولة المفاوضات مع اسرائيل واستئنافها من حيث انتهت قبل اعوام بينما تحاول ان تضمن مصالحها عبر استعمال "اوراقها" الظاهرة والمبطنة في الانتخابات العراقية.

 اما وزير الخارجية المصرية احمد ابو الغيط، ومدير المخابرات المصرية اللواء عمر سليمان، فقاما بالعديد من الزيارات الى اسرائيل، مع ان القاهرة لم تُرجع بعد سفيرها الى تل ابيب بعد ان سحبته مع الاردن عقب اندلاع الانتفاضة قبل اربع سنوات. ويبدو ان مصر، التي شعرت انها تفقد دعم امريكا، ودورها المحوري في السياسة الاقليمية، تحاول  الان ضمان ترتيبات عودة المياه الي مجاريها بين البلدين اضافة لايجاد دور امني يضبط الامور في حال أقدمت اسرائيل على الانسحاب من قطاع غزة حسب الخطة التي وضعها رئيس الوزراء اريل شارون. وبين ليلة وضحاها، افرجت مصر عن الجاسوس الاسرائيلي عزام عزام بينما قامت اسرائيل باطلاق سراح اسرى فلسطينيين، والحبل على الجرار بالنسبة لسلسة اخرى متوقعة من الاخبار السارة.

نحسب ان الاردن، الذي لديه معاهدة سلام مع اسرائيل منذ عام 1994، يدرس ايضا خياراته لمواجهة القادم الاعظم، سيما ان مصالحه تكمن في ضرورة مساعدة الفلسطينيين على قيام دولتهم المستقلة وحماية مصالحه السيادية من حدود امن، ومياه، ولاجئين والتي ستتحدد معالمها بصورة اوضح في حال اعادة استئناف المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين.

العديد من الاردنيين لا يقبلون بعودة السفير الاردني الى تل ابيب اذا لم يفرج عن اسرانا القابعين في السجون هناك، وتتزحزح اسرائيل عن تعنتها فيما يخص جدار العزل العنصري الذي يهدد قيام دولة فلسطينية مما ينعكس بالتالي على الاردن وعلى امنه الوطني.

ونتوقع من الدبلوماسية الاردنية ان تأخذ زمام المبادرة اليوم قبل الغد وان تحذو حذو مصر وتعيد سياسة الاشتباك الايجابي مع اسرائيل من اجل حماية مصالحنا اولا واخيرا، بدلا من انتظار مبادرة من اسرائيل. فهناك امكانية ان يحمل العام المقبل بعض الفرص الايجابية وعلينا اغتنامها لحل قضايا الصراع في الشرق الاوسط، ومساعدة الفلسطينيين على اقامة دولتهم، وتقوية الاواصر مع عمقنا الفلسطيني.

سترتفع بعض الاصوات ضد الحكومة في حال بدأت بالتحرك نحو اسرائيل، وقد يكون لهم وجهة نظر سيحكم عليها التاريخ، لكن من الأولى الان التحرك لدرء المخاطر ووضع الاردن في موقف ايجابي لمواجهة المتغيرات والتحديات على الخارطة العربية والعالمية.

التعليق