في محكمة أمن الدولة ..العامل العراقي

تم نشره في الأربعاء 29 كانون الأول / ديسمبر 2004. 02:00 صباحاً
  • › مقالات سابقة

في غضون أقل من أسبوع تابعت ثلاث قضايا في محكمة أمن الدولة كلها تندرج في سياق الجماعات السلفية الجهادية, والقاسم المشترك بينها : العراق. وهو ما يؤكد أن العامل السياسي هو الحاسم في نشوء الفكر الذي يتبنى العنف سبيلا للتغيير .


   أول من أمس صدر الحكم ببراءة أبو محمد المقدسي( عصام طاهر البرقاوي العتيبي) المنظر الأبرز للسلفية الجهادية, وحكم ابوسياف (محمد الشلبي) بخمسة عشر عاما وهو  الذي اتهمته السلطات بالتسبب في أحداث معان الأخيرة ولا يزال ينتظر حكما في القضية التي يتهم فيها العشرات من أبناء معان.


    في قضية المقدسي فتية صغار السن من محافظة المفرق ليست لهم سابقة أمنية وهو ما دفع المحكمة إلى الأخذ بالأسباب المخففة فخفضت الحكم إلى نصف المدة. حسب لائحة الاتهام فإن المتهمين فكروا أول الأمر في الذهاب إلى أفغانستان, أي لم تكن لهم نوايا عدوانية تجاه وطنهم, لكنهم فشلوا في إيجاد سبيل لجهاد أميركا بعيدا, وتحت وقع تأثير الحرب على العراق, ظنوا أن العدو غدا قريبا فعملوا على ضرب أهداف أميركية في الأردن اعتقادا منهم أن القواعد العسكرية الأردنية تضم قوات أميركية. بيد أن الدفاع اعتمد على  التصريحات الملكية التي تنفي وجود هذه القوات, وهو ما أخذت به المحكمة. إذ اعتبرت أن الهدف الذي سعى إليه المتهمون كان منعدما .


   قرار المحكمة يعتبر وثيقة قانونية تفصل في معنى المؤامرة والحيازة بقصد غير مشروع وهو ما برأ المتهمين من عقوبتي المؤامرة والحيازة التي تصل عقوبتها إلى الإعدام. ويظل قرار المحكمة خاضعا للتمييز التي قد تبرئ باقي المتهمين.


   ليس هذا المهم , فالذي يريد ضرب أهداف أميركية في الأردن أو العراق أو أميركا نفسها لا يفكر بالعواقب القانونية لفعلته بل إن الغاية هي " الشهادة في سبيل الله " . الأردن لا يحتاج إلى قوانين مكافحة إرهاب جديدة, بل يحتاج, والعالم كله يحتاج , إلى عوامل سياسية تقلل من دوافع العنف وتغذي دوافع الاعتدال والتعايش .


    فالتربية الدينية حتى في المدارس الحكومية, وليس في أدبيات أبي محمد المقدسي تربط الطالب بأمته الإسلامية والعربية وتعتبر الجهاد فرضا من فروض الدين. وحتى لو درس الطلاب القانون الدولي الإنساني فلا يمكن اعتبار الاحتلال في العراق مشروعا والمقاومة إرهابا !


   أكثر من ذلك, لو لم يدخل أحدهم المدرسة ولا المسجد من قبل ألم يحضر نشرة أخبار ؟ حتى لو على التلفزيون الإسرائيلي. الكارثة ليست في الفكر المتطرف بل بالسياسة المتطرفة التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل والتي تشكل التربة الملائمة لزراعة الفكر المتشدد . ولو لم يكن التيار الإسلامي مزدهرا كما في هذه الأيام لوجد المتحمسون في الماركسية ما يبرر لهم مسلك العنف. وهو ما حصل في إفريقيا وأميركا الجنوبية وإسبانيا وغيرها من الدول. بل ثمة من شبه حال الأفغان العرب بحال اليسار الأميركي الذي قاتل في إسبانيا بدوافع نبيلة وعاد إلى بلاده ليغدو هدفا طريدا ل أف بي آي .


   قضية المقدسي وأبوسياف بدأت قبل الحرب, وعودة إلى الوراء نجد أن أبوسياف اعتقل أول مرة على خلفية ضرب العراق في عمليات ثعلب الصحراء عام سبعة وتسعين, أما قضيتا عزمي الجيوسي والمقداد محمد الدباس فبدأتا بعد الحرب .


   عزمي الجيوسي, حسب الادعاء, أرسله الزرقاوي من العراق لاغتيال مدع عام في محكمة أمن الدولة وضابط مخابرات , ثم تطور الهدف إلى ضرب مبنى المخابرات العامة, وفي القضية كان دافع كل المتهمين في البداية الجهاد ضد أميركا في العراق. الأميركيون لم يوفروا دوافع العنف في العراق فقط بل وفروا أدواته. فالسلاح غدا مشاعا بأنواعه كافة, وحسب الإدعاء فإن المتهمين حصلوا على كواتم صوت ومتفجرات وصواعق ووصلات, لكن الأهم خبرات تفخيخ السيارات وتجهيزها وفق نظرية  " فجر ثم فكر". 


   أما المقداد فهو طالب في الكلية الهندسية في بغداد اعتقله الأميركيون, وبحسب الادعاء أيضا فإنه كان حلقة الوصل, من خلال الإنترنت, بين معمر الجغبير في إيران والزرقاوي  في العراق. وشارك في التخطيط لاستهداف السفارة الأردنية. مع أن المقداد شاب في عمر الورود ليس له سابقة أمنية. وربما يحصل على براءة كالتي حصل عليها المقدسي .


بمعزل عن الحكم الذي سيصدر في هاتين القضيتين فإنهما تؤكدان على العامل العراقي في توتير أمن المنطقة, وبما أن إنهاء الاحتلال الأميركي في العراق ليس قريبا, فإنه سيظل زيتا يصب على منطقة مشتعلة.

 [email protected]

التعليق