"الكلام المحظور" في قضية أولمرت

تم نشره في السبت 17 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

تدور معركة "خفية" في وسائل الإعلام الإسرائيلية، على خلفية الحكم الصادر ضد رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت. فهناك من يرى أن الحكم رادع، ولكن هناك من يرى أن هذا الحكم مبالغ فيه، وغير مسبوق ضد أي سياسي آخر في إسرائيل دين بنفس التهم. كما انتقد الفريق الأخير نص قرار القاضي الذي وجّه لأولمرت صفة "الخيانة". لكن المخفي في هذا الجدل ليس الحكم ذاته، بل شكل تعامل النيابة الإسرائيلية بأعلى مستوياتها، مع قضية أولمرت، مقابل شكل تعاملها مع قضية أفيغدور ليبرمان، التي طويت قبل ستة أشهر بشبه براءة.
ونذكر أنه في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، أسدل الستار على واحدة من أكبر قضايا الفساد التي واجهها أي سياسي في إسرائيل، إن لم تكن أكبرها، وكانت ضد وزير الخارجية ليبرمان. وهي القضية التي استمر التحقيق فيها أكثر من سبع سنوات، وكان الحديث يدور عن تلقي أموال غير مشروعة بملايين الدولارات، ووصل الحديث إلى حد الارتباط بجهات الإجرام المالي العالمي. وكانت التحقيقات وصلت أيضا إلى دول عدة، وكنّا نقرأ عن "اختفاء شهود"، وامتناع آخرين عن الوصول إلى إسرائيل.
كذلك، وصل الأمر حد أن أوصى قسم التحقيقات في الشرطة بتقديم لائحة اتهام "خطيرة" ضد ليبرمان بتهم فساد، كانت ستودعه سنوات في السجن، إلا أنه حينما وصل الملف إلى النيابة، كان التلكؤ واضحا، ثم جاءت المفاجأة بأن شطب المستشار القضائي للحكومة، بصفته المدعي العام الأعلى، كل البنود الخطيرة في لائحة الاتهام، واكتفى ببند هامشي نسبيا، وهو الحصول بشكل غير مباشر على معلومات من دبلوماسي سعى ليبرمان لاحقا، حسب الشبهة، إلى ترقيته. وقد حُكم على ذلك الدبلوماسي بالسجن عدة أشهر، فيما خرج ليبرمان "بريئا" حتى من هذه التهمة.
في المقابل، هناك مسار التحقيقات مع أولمرت، ومن ثم مسار تقديم لوائح الاتهام الواحدة تلو الأخرى، بوتيرة غير مسبوقة. وقد تهاوت في السنوات القليلة الماضية عدة لوائح اتهام، منها الأخطر التي اضطرته للاستقالة من منصبه في العام 2008. وقد رأينا أن النيابة قررت الاستئناف على تبرئة أولمرت من أحد الملفات الذي يعد هامشيا، وأظهرت إصرارا كبيرا لإدانته في قضية الرشوة، التي حتى المحكمة اعتقدت أن أموالها لم تصل إلى جيب أولمرت.
وهذه ليست المرّة الأولى التي نطرح فيها قضية أولمرت هنا. وبطبيعة الحال، ليس الهدف هو تبني خط الدفاع عن أولمرت، فهو فاسد ومجرم حرب كسواه من قادة إسرائيل، وهناك انطباع بأن نسبة عالية جدا من ساسة إسرائيل الذين يدورون في فلك سدة الحكم، متورطون في الفساد الإداري أو المالي، وبكل مفاهيم الفساد، إن كان المباشر أو غير المباشر. ولكن كما يبدو، هناك "جهة خفية" تقرر في توقيت ما، سحب هذا الملف أو ذاك، بهدف الإطاحة بالشخص المعني.
والأخطر في قضية أولمرت، والذي يحاول المحللون والمعلقون، وحتى بعض الساسة، التلميح له، من دون أن يتورطوا قضائيا مع ليبرمان وجهاز القضاء، هو لفت الانتباه إلى الفارق في شكل تعامل قادة النيابة بين ملفي أولمرت وليبرمان. وهذا الجدل يأخذ منحى سياسيا غير مباشر؛ إذ نقرأ مقالات الانتقاد أساسا في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، كبرى الصحف الإسرائيلية اليومية، وهي صحيفة محسوبة على الوسط، وفيها كتاب يميلون نوعا ما إلى "اليسار الصهيوني"، بينما مؤيدو قرار المحكمة، ومنتقدو أجواء الكتابة في "يديعوت أحرنوت"، نجدهم في صحيفة "يسرائيل هيوم"، بدءا من رئيس تحريرها دان مرغليت، وهي صحيفة يمينية، موالية كليا لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ويملكها الثري العالمي الأميركي اليهودي شلدون إدلسون، وهو من أكبر أصدقاء نتنياهو، ومعروف بمواقفه المتطرفة والمعادية الحاقدة ضد الشعب الفلسطيني.
خلاصة القول، إن هناك في العالم، وخاصة في العالم العربي، من يقرأ الصورة وكأن إسرائيل "دولة نظام وديمقراطية" وتحارب الفساد. وإذا كانت صفة الديمقراطية قد سقطت منذ اللحظة الأولى للاحتلال وتطبيق سياسة التمييز العنصري، فإن مسألة "نزاهة الحكم" تتساقط أمام هذا المشهد، لأنه يتأكد من نماذج أخرى أن الفساد في سدة الحكم يطال أيضا الجهاز الذي يدعي أنه يحارب الفساد.

التعليق