بعد ربع قرن

تم نشره في الجمعة 16 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً

بعد نحو ربع قرن من سيادة ظاهرة "العولمة"، ربما يمكن قراءة نتائجها، بل ومظاهرها، بشكل أفضل مما كانت عليه الحال في بداياتها، يوم كانت تلك النتائج بمثابة "توقعات"، وكانت تلك المظاهر مجرد "انطباعات"!
لكن ماذا عن مقارنة تلك المظاهر والنتائج اليوم، بما كانت عليه قراءاتها في منتصف ربع القرن هذا، حين كانت العولمة قد تركت بعض بصماتها على العالم؟ في منتصف ربع القرن المشار إليه، ناقش كتاب "ضحايا العولمة" لجوزيف ستيغليتز، وهو أكاديمي أميركي مرموق حاز جائزة نوبل في الاقتصاد العام 2001، وشغل عدة مناصب عليا في صناعة القرار الاقتصادي في العالم، منها كبير الاقتصاديين في البنك الدولي في أواخر التسعينيات، ورئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس بيل كلينتون؛ ناقش بعض نتائج "العولمة"، منتقداً أول الأمر نهج "العلاج بالصدمة" الذي أُجبرت بعض الدول الاشتراكية السابقة على اتخاذه للتخلص من الأوضاع الاقتصادية المزرية التي عاشتها في أوائل التسعينيات، أي في بدايات العولمة، عقب انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي، وبخاصة روسيا.
قصد ستيغليتز بذلك، انتقاد التحول الفجائي من النظام الاشتراكي إلى الرأسمالي، معتبراً أن "العلاج بالصدمة" ترك آثاراً وخيمة على اقتصاد تلك البلدان، تجلى في التدني الشديد لمستوى معيشة مواطنيها وشيوع الفقر والبطالة بينهم، مقارناً إياه بالنهج التدريجي الذي اتخذته الصين في الانتقال من النظام الاشتراكي الكامل إلى نظام يجمع اقتصاد السوق باشتراكية الدولة، ليخلص إلى أن النمو الاقتصادي الذي حققته الصين إنما يرجع إلى تلك الرؤى الموضوعية التي قدمت مصلحة الاقتصاد الوطني على الأحكام الجاهزة والمعدّة مسبقاً. وهكذا، تكون المحصلة أن الخضوع لاشتراطات تلك المؤسسات الدولية هو الذي أورد كثيراً من بلدان العالم موارد الهلاك؛ فهي مؤسسات لا تهتم كثيراً بنتائج "النصائح" التي تقدمها.
ثمة ما يثير الاستغراب حقاً في مثل هذه القراءة. فروسيا التي نظر إليها الكتاب نظرة تشبه الشفقة، عادت اليوم لتكون لاعباً أساسياً في العالم، يُحسب له ألف حساب، فيما ارتفع مستوى معيشة مواطنيها؛ فما الذي حدث فيها بعد سنوات الارتباك؟ لا بد أن ثمة حُسن إدارة للعولمة وتأثيراتها، أنقذ روسيا واقتصادها من مصير الهلاك، وأعاد بناء الدولة على أساس استثمار مواردها استثماراً مستقلاً غير تابع، على قاعدة من التخطيط الوطني السليم.
ناقش ستيغليتز أيضاً ردود الفعل الرافضة للعولمة في البلدان النامية، بخاصة في صفوف الطبقات التي عانت نتيجتها الفقر والبطالة والعوز؛ قائلاً إن معارضة العولمة لم تستهدف العولمة بحد ذاتها، بل مجموعة المبادئ التي تتحكم بها، ويلخصها شعار ترفعه المؤسسات الدولية ضمنياً، مفاده أن ما هو جيد لصندوق النقد الدولي، جيد للعالم ويجب أن يُطبّق. اقترح ستيغليتز يومها حلاً يتناسب مع ما يقرره من "حتمية العولمة"، مفاده ضرورة تخليص العالم من تلك المؤسسات الاقتصادية الدولية التي حرفت العولمة عن مسارها الإنساني، وإقامة مؤسسات دولية عامة بدلاً منها، تهتم بالعمل الجماعي العالمي في القضايا الأكثر إلحاحاً وتأثيراً على حياة الناس، مثل إيجاد الاستقرار الاقتصادي العالمي، وقضايا البيئة والصحة، والسعي إلى نزع فتيل الحروب المحلية.
اليوم، بعد ربع قرن من "العولمة"، يمكننا القول كما قال الكتاب: إذا كانت العولمة مثلت أمراً حتمياً لا فرار منه، باعتبارها النتيجة الطبيعية للتطور التكنولوجي الذي حقق التقارب بين الناس وقصّر المسافات بين الأمم والبلدان، فقد كان رهناً بكل بلد إدارتها لتكون قوة دافعة لتحقيق رفاه مواطنيها، أو أن تكون العكس وتترك وراءها كثيراً من الضحايا وقليلاً من المستفيدين.

التعليق