"لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" رواية مرشحة لجائزة البوكر

تم نشره في الاثنين 27 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 صباحاً

الدوحة - الغد - يحكي خالد خليفة في روايته "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" تاريخ مدينة حلب الحديث، الذي يشكل انقلاب البعث سنة 1963 المنطلق نحو الماضي والمستقبل فيه، وكيف أسهم ذاك الانقلاب في تشويه معالم المدينة ونسف بناها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وخلف شروخا عميقة بين الناس الذين انقسموا بين مؤيد خائف من إرهاب السلطة الجديدة، وآخر معارض أُودِي به بالتقادم وتمّت تصفيته وضرب مجاله الحيويّ أيضاً، في مسعى لنسف أيّ نشاط أو إحياء لاحق محتمَل.
في الفصول الخمسة لروايته التي نشرتها دار العين بالقاهرة: "حقول الخسّ"، و"جثث متفسّخة"، و"عنق ملوكي وحذاء أحمر"، و"الأم الميتة"، و"طرق غامضة"، لا يكتفي صاحب "مديح الكراهية" بتوصيف التقسيم المجتمعي الذي رسمه النظام وخطط له واشتغل عليه، بل يعود إلى جذور النوازل التي حلت بالشعب، وكيف كانت البداية الخاطئة التي جرت خطايا لاحقة تناسلت من بعضها وأبقت نهر الخديعة والفساد والتآمر جاريا في الحلقة نفسها من الاستنقاع والتأسن.
يصف الراوي العليم -الذي تتزامن ولادته مع الانقلاب- سيرته التي تختصر سيرة بلد عاش الخيبات والهزائم بدءا بتسلط "القائد الخالد" الذي يستهل بخبر موته وجنازته الرواية ولحين اشتعال النيران في جسد البلد المنكوب.
الراوي المتواري خلف مآسي أهله ومعارفه يحكي عن تقسيم المدينة إلى شطرين مفترضين، وكيف انقسم كل شطر بدوره على نفسه، لدرجة أصبح التفرّق سمة طاغية، وبين الشطرين تناثرت الهموم والفجائع التي ظلت سمة عامة طيلة عقود، ذلك أن التضحية بأهل البلد في سبيل شعارات عريضة تخفي عورات المستبد أربكت المدينة التي كانت تحلم بتحقيق إنجازات على مختلف الأصعدة، لاسيّما أنّها كانت تعرَف بالعاصمة الاقتصادية للبلد.
ضفاف التفتيت تُلقي بظلالها وتأثيراتها على الشخصيات، ذلك أن التغريب يظل السمة الأكثر طغيانا وتسيدا، فكل الشخصيات مغتربة عن ذاتها، بعيدة عن التصالح مع نفسها، هاربة من لعنات تلاحقها، ترنو إلى لحظات تستمتع فيها ببهجة الماضي ولذة الحلم، لكن الوقائع والممارسات المتتالية تفرض على الجميع سلوكيات بعينها، فمَن لم يختر ضفّة النظام والدوران في فلك الفساد والإفساد الممنهجَين يظل مطحونا بإجرام الأجهزة القمعية التي تسلب منه إنسانيته وأمواله تحت ذرائع شتى، وتبالغ في إيذائه والتنكيل به.
مصائر فجائعية مؤلمة يختارها الروائي لشخصياته، تعكس عمق الفجيعة التي تحياها، الجدّ يقضي في محطة القطار التي يحلم بتحديثها ويبالغ في تشبّثه بحلمه بها، وهو الذي يحمل وسام التميّز عن عمله السابق فيها، والأب الهارب إلى أميركا مع عشيقته يعكس التنكر والوفاء لأبنائه، وتركه لهم في مهبّ رياح هوجاء عاصفة، فيما الأم غارقة في أحزانها وهموم أولادها الأربعة، والخال نزار بجنونه وموسيقاه و"مثليّته" يرمز إلى حالة تبديد الجنس فضلا عن الهوية نفسها، كما أن سوسن ترمز بدورها إلى تماهي الضحية مع الجلاد وتقاطع الحلم السلطوي بالعهر واستغلال الجسد، فيما تكون الفتاة البسيطة عار الأسرة من وجهة نظر بعض أفرادها، وخاصة الأم الناقمة عليها وعلى نفسها وتاريخها ومدينتها وزوجها وأبنائها.
يحمل خطاب الروائي كثيرا من الإسقاطات الواقعية، وخاصة في ظل الثورة المستمرة التي جهد النظام على إخراجها من سكتها السلمية وتحويلها إلى مسلحة وإبرازها على أنها حرب بين مكونات أهلية وطائفية، في حين أن إشارات ذلك كله كانت جمرا متقداً منذ عقود تحت رماد المجتمع الذي سعى إلى تقييده والتنكيل به بوسائله المتعددة.
وتكون أحداث الثمانينيات النقطة المركزية التي يعود إليها ليبرز تجلياتها الجديدة على أيدي النظام بأدواته المتلونة نفسها، وبشعاراته المعمقة لشروخ المجتمع نفسها أيضا.-(الجزيرة نت)

التعليق