علاقة الآباء بالأبناء بين التأزم والانسجام

تم نشره في الثلاثاء 7 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 صباحاً
  • الفجوة العمرية أكثر الفجوات التي تؤثر في العلاقة بين الآباء والابناء - (أرشيفية)

عمان - إن العلاقة بين الآباء والأبناء قد يسودها المحبة والود والاحترام والتفاهم، وقد تكون متوترة ومتأزمة لعدم وجود رابط وُدّ أو تفاهم أو حوار هادف يهدف إلى زيادة الصلة.

ولذلك فإن غياب الحوار البنّاء والفعّال بين الآباء والأبناء، يجعل الابن لا يثق بوالديه ولا يبوح لهما بأسراره الخاصة، بل إنه يفضل أن يأخذ معلوماته من الصحبة والإنترنت بدلا من الوالدين البعيدين عنه بحنانهما ورعايتهما.
ومع ضخامة حجم هذه الظاهرة إلا أن كثيرًا من الآباء لم ينتبهوا إلى خطورتها، معتقدين أنه ليس مطلوبا منهم أي شيء تجاه أبنائهم سوى توفير المسكن والملبس والإنترنت وألعاب التسلية، والتي ربما تشغل الفراغ لديهم ولكنها لا تُغني عن والديهم.
ولا يكون ذلك بعدم حب الآباء لأبنائهم، لا فهم ثمرة القلوب وقرة الأعين، ولكن ما ننبه إليه أن هذا الحب لا يمكن أن يتحقق إلا بالتربية السليمة للأبناء التي تتطلب من الآباء حمايتهم بالتحاور والتشاور معهم، ومحاولة معرفة ما يجول بأفكارهم ومساعدتهم في حل مشاكلهم الخاصة والتقرّب والتودُد إليهم.
ولكن من المتسبب في هذه الظاهرة الآباء أم الأبناء؟ وما خطورة غياب الحوار الهادف بين الطرفين؟
إنّ تربية الأبناء أشبه بإدارة العمليات الصعبة في فترات الحروب، تحتاج إلى الرجل المتمكن الصبور، وإنّ كثيراً من الآباء والأمهات يقدمون على الإنجاب دون أهلية أو استعداد فهم لا يملكون الثقافة التربوية التي تمكنهم من تربية أبنائهم على الوجه المطلوب، ولا يملكون من الخصائص النفسية ما يساعدهم على تَحمُل أعباء التربية، وهي أعباء كبيرة جداً.
وهنا يجدر استعراض بعض الأساليب الخاطئة في التربية والتعامل مع الطفل حتى نتجنبها ونُصحح مسارنا التربوي مع الأبناء.
1 - التربية بالشدة والصرامة:
من أنواع التربية الخاطئة والتي تهدم ولا تبني تلك التربية التي تُبنى على العنف والشدة والتسلط، حيث يعتبر علماء التربية والطب النفسي هذا الأسلوب أخطر ما يكون على الطفل إذا استخدم بكثرة، فالحزم مطلوب في المواقف التي تتطلب ذلك، أما العنف والصرامة فيزيدان تعقيد المشكلة وتفاقمها؛ ففي لحظة الانفعال يفقد المربي صوابه وينسى الحِلْم وسعة الصدر وينهال على الطفل معنّفا له بأقسى الألفاظ، وقد يزداد الأمر سوءاً إذا اقترن ذلك بالضرب.
وهذا ما يحدث في حالة العقاب الانفعالي للطفل الذي يُفِقْدُ الطفل الشعور بالأمان والثقة بالنفس، كما أن الصرامة والشدة تجعل الطفل يخاف ويحترم المربي في وقت حدوث المشكلة فقط (خوف مؤقت) ولكنها لا تمنعه من تكرار السلوك مستقبلا.
وقد يعلل الكبار قسوتهم على أطفالهم بأنهم يحاولون دفعهم إلى المثالية في السلوك والمعاملة والدراسة، ولكن هذه القسوة قد تأتي برد فعل عكسي فيكره الطفل الدراسة أو يمتنع عن تحمل المسؤوليات أو يصاب بنوع من البلادة، كما أنه سيمتص قسوة انفعالات عصبية الكبار فيختزنها ثم تبدأ آثارها تظهر عليه مستقبلاً من خلال أعراض (العصاب) الذي ينتج عن صراع انفعالي داخل الطفل.
وقد يؤدي هذا الصراع إلى الكبت والتصرف المخل (السيئ) والعدوانية تجاه الآخرين، أو انفجارات الغضب الحادة التي قد تحدث لأسباب ظاهرها تافه.
2 - التربية بالتدليل والتسامح الزائد:
على المربي أن يكون حكيماً في تربيته، ولا تدفعه العاطفة الفطرية لتدليل ولده أو التساهل في تربيته؛ لأن التربية بالتدليل والتسامح لا تقل خطراً عن التربية بالشدة والتسلّط. فالتدليل الزائد يقلل فرصة حصول الطفل على الخبرات اللازمة لمواجهة الحياة وتحمل المسؤوليات واتخاذ القرارات الصائبة.
ويظهر هذا التدليل الزائد في الخوف الشديد على الطفل فلا يسمح للطفل أن يلعب مع أقرانه أو اللعب بأي شيء من أدوات البيت وهذه حماية زائدة تؤثر سلبيا على شخصية الطفل. ومنها عدم إعطاء الفرصة للطفل أن يبني شخصيته ويتسلم زمام المبادرة ليتخذ القرار.
والصحيح إعطاؤه الفرصة ليقوم ببعض الأعمال. مثل خلع الحذاء أو تركه يربط حذاءه بنفسه وان لم يجد ذلك، أو تركه يلبس وحده ملابسه، هذا كله له أثر في تنميه الثقة في نفس الطفل، ويزيد خبراته فتنمو تلك الشخصية. أما التدليل إذا زاد فله خطره على شخصية الطفل.
3 - عدم مراعاة الفروق الفردية بين الأبناء:
قد يكون هناك تفاوت واختلاف في الملكات والقدرات بين الأطفال حتى وإن كانوا أشقاء، وفي هذه الحالة يُلزم الآباء مراعاة هذه الفروق بينهم ومعاملة كل طفل بما يتناسب مع شخصيته وميوله وقدراته، يقول أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي في كتابه جامع بيان العلم وفضله: "تبقى حال الطفل ماثلة أمام المربي حين تربيته، كما تتجلى حال المريض أمام الطبيب حين معالجته، يراعي حالته ومقدرته ومزاجه فيكون أثر التربية أتم وأعظم ثمرة".
4 - التذبذب في أسلوب التعامل مع الطفل:
فالطفل يحتاج أن يعرف ما هو متوقع منه، لذلك على الكبار أن يضعوا الأنظمة البسيطة واللوائح المنطقية ويشرحوها للطفل، ثم يكون هناك ثبات في إلزام الأبناء بتلك القواعد فلا ينبغي أن نتساهل يوما في تطبيق قانون ما ونتجاهله، ثم نعود في اليوم التالي للتأكيد على ضرورة تطبيق نفس القانون بل ونعاقب الطفل المخالف له!
فهذا التذبذب قد يسبب الإرباك للطفل ويجعله غير قادر على تحديد ما هو مقبول منه وما هو مرفوض، وفي بعض الحالات تكون الأم ثابتة في جميع الأوقات بينما يكون الأب عكس ذلك، وهذا التذبذب والاختلاف بين الأبوين يجعل الطفل يقع تحت ضغط نفسي شديد يدفعه لارتكاب الخطأ.
إنّ تربية الأبناء الحقيقية هي تربية ذلك الكائن المكرم ورعايته بدنيا ونفسيا ودينيا وأخلاقيا، وبذلك يتم إعداد الابن ليصنع المستقبل الواعد بيده لنفسه وبالتالي لمجتمعه.
تواصل الأجيال سُنة الحياة عبر السنوات حيث يتوارث الأبناء طباع الآباء ليورثوها مرة اخرى للأحفاد وتظل الحياة على هذا المنوال الي ان تقوم الساعة، وبالرغم من هذا يتناسى الآباء أنهم كانوا في يوم من الايام اطفالاً يتذمرون من أوامر آبائهم ويجدون إجحافاً بحقوقهم وتقليلاً من شأنهم، ومع ذلك تتواصل الأجيال بنفس الطبائع، لأن معظم الابناء أيضا يغيب عن أذهانهم انهم سيقفون يوماً من الأيام أمام أولادهم يفرضون عليهم ما يرونه أنسب لهم في كل شيء، ويُحددون لهم الخطأ قبل الصواب ويقسون عليهم أحيانا.
وتؤكد بعض الدراسات الاجتماعية أن الفجوة العمرية أكثر الفجوات التي تؤثر في العلاقة بين الآباء والابناء، بقدر ما يتسع ويبتعد الزمن الذي عاش فيه الآباء عن زمن الأبناء كلما زادت هذه الفجوة واتسعت، حيث لكل زمان عاداته وتقاليده وأفكاره والتي تختلف كليا وجزئيا عن أي زمان آخر وبالتالي تضيق مساحة الالتقاء الفكري والثقافي واللغوي. وتشير هذه الدراسات إلى أن الاختلاف الكبير في الأعمار بين الآباء والأبناء أدى الى تباعد التقارب في الثقافات والعادات والتقاليد والأفكار، بسبب مدخلات العصر الحديث بين الجيلين ما ساعد على بُروزٍ أكبر لمشكلة الفجوة بينهم.
لكل عصر طريقة تفكيره وقناعاته وأسلوب دراسته ومعلوماته المتوافرة التي تميزه عن غيره من العصور، ما يساعد على خلق حالة فكرية معينة لدي أبناء الجيل الواحد تختلف عن نظيراتها في الأجيال الأخرى. ومع تغيُر أنماط الحياة بشكل دائم وتبدُلها ودخول أفكار جديدة وخروج أخرى قديمة تتغير العادات والتقاليد بشكل مستمر، ربما لا يلاحظه الشخص خلال حياته إلا أن هذا الاختلاف يظهر بشكل واضح في اختلاف العادات والتقاليد بين جيل الآباء والأبناء.

عبد العزيز الخضراء
كاتب وتربوي

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحية وتهئنة (شكري شيخاني)

    السبت 21 أيار / مايو 2016.
    مقال رائع ومفيد اتمنى على الاهل قراءته بتمعن والاستفادة منه