الزعبي يحاضر حول المثاقفة ودورها في البناء الحضاري

تم نشره في الاثنين 30 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • د. زياد الزعبي (يسار) ود. رائد عكاشة خلال الندوة التي نظمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي- (من المصدر)

 عزيزة علي

عمان- رأى أستاذ النقد الأدبي في جامعة اليرموك، د. زياد الزعبي، أن "المثاقفة التي نتحدث عنها تمثل قطيعة مع المعنى الاستعماري الإنثروبولجي الذي يرى فيها صورة "تبادل ثقافي بين شعوب مختلفة، وبخاصة تعديلات تطرأ على ثقافة بدائية نتيجة لاحتكاكها بمجتمع أكثر تقدماً".

وأضاف الزعبي في الندوة التي نضمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، أول من أمس، ضمن نشاطه الشهري، بعنوان "المثاقفة ودورها في البناء الحضاري"، والتي أدارها المستشار الأكاديمي للمعهد، د.رائد عكاشة، قائلا: "نذهب إلى قراءة المثاقفة بوصفها فعلا طبيعيا يحكم العلاقات بين الثقافات الإنسانية، في صور مختلفة متباينة، وهو ما يتضح من البنى الحضارية للثقافات الإنسانية المختلفة عبر التاريخ".
وأوضح المحاضر أنه بهذا المعنى الذي تشكل في إطار العلاقة بين المستعمر والمستعمَر "تخفي المثاقفة موقفاً إمبريالياً، وأكثر من ذلك فإن المثاقفة، بوصفها بحثا عن تأثير أدب المستعمِرين على المستعمَرين، أو المتقدمين على المتخلفين، الآن وسابقا، ليست سوى إنتاج فكر استعماري قائم على مركزية الحضارة الغربية، وهو لا يمثل حقيقة المعنى التاريخي والراهن للعلاقات بين الحضارات".
وقال الزعبي "إن عمليات التأثير والتأثر الثقافي والحضاري واللغوي، المتبادلة بين الثقافات واللغات، مثلت وتمثل ظاهرة إنسانية كبرى تجلت وتتجلى في حلقات الثقافات الإنسانية المتعاقبة، أو المتزامنة، وهي تلك التي التقت وتحاورت وتفاعلت، وتصادمت وتصارعت، ولكنها أيضاً تفاعلت".
وبين المحاضر "إن هذه العمليات شكلت "قصة الوجود الإنساني" على الأرض بكل امتداداتها، وتداخلاتها، وتعقيداتها، وتناقضاتها، وبكل عناصر الاختلاف والائتلاف، والانسجام والتباين فيها. لقد شكلت ما يمكن تسميته بدائرة المثاقفة: المثاقفة بمعنى عمليات التبادل الفكري والحضاري بين الثقافات، وليس بالمعنى الإمبريالي الذي يحددها بالعلاقة بين ثقافة متفوقة وأخرى متخلفة".
وصنّف الزعبي المثاقفة، بحسب الزمن والطبيعة؛ فمن حيث الزمن هناك المثاقفة المتعاقبة التي تتمثل في التفاعل بين ثقافة سابقة وأخرى لاحقة.
وواصل المحاضر قائلا "أما المثاقفة، بحسب الطبيعة، فثمة مثاقفة حضارية إنسانية تمت بإرادة الثقافة المستقبلة، وثمة مثاقفة بالقوة والعنف وهي المثاقفة بالمفهوم الاستعماري

 التي تمت بين المستعمِر والمستعمَر"، لافتا إلى المركب الحضاري للحضارة العربية الإسلامية، بوصفها حضارة تمثلت التثاقفين: التعاقبي والتزامني؛ إذ تأثرت وأثّرت في الوقت ذاته. كما أنها حضارة مُدمِجة مُذوِّبة لا متبنِّية، لأنها مبنية على الانفتاح والتسامح. وقد دعا المحاضر إلى ضرورة فهم هذا المركب في إطار مؤسسات التعليم.
وكشف الزعبي عن محطة المثاقفة الأوروبية-العربية، وأبرَزَ الحضورَ المتألق للثقافة العربية الإسلامية في أوروبا منذ القرن السابع الميلادي؛ إذ بدأ بالإعجاب والانبهار من فئة النخبة الدينية خاصة، ومن ثم حدث اللقاء العسكري عبر الحروب الصليبية، وأخيراً المرحلة التي بدأت مع النهضة الأوروبية، ونهضت بها مؤسسات الاستشراق بعد ذلك؛ إذ نظر الأوروبيون إلى الثقافة العربية الإسلامية بوصفها حضارة سابقة ينبغي الإفادة منها، وبوصفها كذلك حاملة للثقافة اليونانية.
وأشار المحاضر إلى الجهود الغربية التي تفحّصت بصورة دقيقة وعميقة خيوطَ نسيج الغرب الحضاري، ومواد تشكّله، وذلك ضمن رؤية مؤسساتية علمية. وهذا ما تفتقده المؤسسات العربية والإسلامية التي تفتقد روح البحث عن جذور التشكّل الثقافي والحضاري.
من جانبه أشار د. رائد عكاشة، إلى أن المثاقفة أمرٌ حتمي، وأنه لم تخلُ حضارة من الحضارات من التأثر بمن سبقها أو زامنها، وأن الناظر في المنابع المعرفية للحضارة العربية الإسلامية يجدها متنوعة ما بين يونانية وهندية وفارسية، إلخ. موضحا أن أغلب الكتابات التي تحدثت عن المثاقفة استشعرت خللاً في عملية التلقي والمثاقفة، ودعت هذه الكتابات المفكرَ العربيَّ والمسلمَ إلى أشْكَلَة العلاقة مع الغرب؛ أي إبراز الجوانب الإشكالية المتأزمة؛ لأن ثمة من يُبسِّط العلاقة بالمعطى الثقافي الغربي، دون تفكير في الأسس الفكرية والفلسفية للمنتج الغربي.
وكشف عكاشة عن أن ثمة خللاً في قراءة الذات عند التعامل مع الآخر؛ لأن أغلب النقاد توسّلوا بأدوات البحث التي اصطنعها الآخر، دون الوعي بالسياقات التاريخية والمعرفية والثقافية للمجتمع المنتِج. ورأى الدكتور رائد بأن هناك تعاملاً غير نقدي، وغير واعٍ مع النظريات الغربية، مما أوجد عجزاً في تكوين رؤية متسقة مع خصوصية المجتمع.
وبين عكاشة أن هناك وهْماً يُدعى كونية النظرية وعالميتها، مما أعلى من ثقافة الغربي (المركز)، وهمّش النماذج المعرفية لثقافات الهامش، وبيّن أن ثمة انبهاراً بالنموذج الغربي، والنظر إليه بوصفه الطريق الأوحد للتقدم المنشود.

التعليق