إعادة تقسيم أوروبا

تم نشره في الاثنين 30 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً

يانوس بابانتونيو*
أثينا ـ مع تسبب أزمة الديون في منطقة اليورو بشكل مضطرد في توسيع الفجوة بين اقتصادات أوروبا القوية في الشمال واقتصاداتها الأضعف المثقلة بالديون في الجنوب (حيث تمثل فرنسا نوعاً من الاقتصاد غير الواضح المعالم بين الحالين)، فهناك سؤال واحد يشغل أذهان الجميع: هل يتمكن اتحاد أوروبا النقدي ـ بل والاتحاد الأوروبي ذاته ـ من البقاء؟
برغم أن بلدان الاتحاد الأوروبي في الشمال تتمتع بتكاليف اقتراض منخفضة ونمو مستقر، فإن بلدان الجنوب تواجه تكاليف اقتراض مرتفعة، فضلاً عن الركود وتخفيضات كبيرة في الدخل والإنفاق الاجتماعي. كما عانت أيضاً من خسائر كبيرة في الناتج، وكانت معدلات البطالة لديها أعلى من تلك لدى جاراتها في الشمال. إن البطالة في منطقة اليورو ككل تبلغ في المتوسط نحو 12 %، مقارنة بأكثر من
25 % في أسبانيا واليونان (حيث تبلغ البطالة بين الشباب الآن نحو 60 %). وفي حين يظل نصيب الفرد في الدخل الإجمالي في منطقة اليورو عند مستويات 2007، فإن اليونان تراجعت إلى مستويات العام 2000، وتراجعت إيطاليا اليوم إلى مستويات العام 1997.
وترجع الظروف المتدهورة في جنوب أوروبا إلى حد كبير إلى التقشف المفرط وغياب التدابير اللازمة للتعويض عن الخسائر في الطلب. ومن الواضح أن خفض قيمة العملة ــ والذي كان ليعمل على تعزيز القدرة التنافسية للصناعات المحلية من خلال خفض أسعار الصادرات ــ ليس بالخيار المتاح لاتحاد نقدي.
ولكن اقتصادات أوروبا الأكثر قوة قاومت الضغوط الرامية إلى حملها على تبني سياسات مالية أكثر توسعا، والتي كانت لترفع الطلب على صادرات الاقتصادات الأضعف. ولم يحذ البنك المركزي الأوروبي حذو البنوك المركزية في البلدان المتقدمة الأخرى، مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، في ملاحقة سياسة نقدية أكثر عدوانية لخفض تكاليف الاقتراض. ولم يتم تقديم أي تمويل لمشاريع الاستثمار العام في بلدان الجنوب.
فضلاً عن ذلك فإن التدابير الضريبية والمالية الرامية إلى تعزيز الإدارة في منطقة اليورو كانت غير كافية لاستعادة الثقة في اليورو. وكانت اقتصادات أوروبا المتعثرة بطيئة في تبني الإصلاحات الهيكلية البنيوية؛ ويعكس التحسن في القدرة التنافسية خفض الأجور والمرتبات وليس تحسن مكاسب الإنتاجية.
وفي حين كانت هذه السياسات ــ أو الافتقار إليها ــ سبباً في عرقلة التعافي في بلدان الجنوب، فإنها أسفرت عن نمو معقول ومعدلات بطالة منخفضة للغاية في اقتصادات الشمال. والواقع أن ألمانيا، من خلال الحفاظ على فوائض تجارية ضخمة، تصدر البطالة والركود إلى جاراتها الأضعف.
ومع اتساع الفجوة بين الشمال والجنوب في أوروبا، تتسع أيضاً الفوارق في أسعار الفائدة؛ ونتيجة لهذا فإن إدارة سياسة نقدية موحدة سوف يصبح صعباً على نحو متزايد. ففي الجنوب المبتلى بالركود، سوف يتطلب ضبط الأوضاع المالية تدابير تقشفية جديدة ــ وهو ما سيرفضه مواطنو هذه البلدان حتما. وسوف تؤدي مثل هذه المآزق إلى توترات اجتماعية وأزمة سياسية، أو إلى مطالبات جديدة بالمساعدات المالية، وهو ما ستقاومه بلدان الشمال بكل تأكيد. وفي كل الأحوال فإن عدم الاستقرار المالي والسياسي من شأنه أن يؤدي إلى انهيار العملة المشتركة.
وطالما تؤسس منطقة اليورو نوعاً من التوازن الحذر، حيث تعمل الاقتصادات الأضعف على تثبيت استقرار معدلات نمو منخفضة، فإن السياسات الحالية من غير المرجح أن تتغير. وسوف تستمر الغلبة للحلول التراكمية بين الحكومية، وسوف يستمر اقتصاد أوروبا في خسارة الأرض بشكل مضطرد لصالح الولايات المتحدة والاقتصادات الناشئة مثل الصين والهند.
في الوقت الحالي، تظل ألمانيا راضية بالوضع الراهن، حيث تتمتع بنمو مستقر وتحتفظ بالسيطرة على سياسة الاقتصاد المحلي، في حين تعمل سلطات البنك المركزي الأوروبي وتفويضه المحدود بالحفاظ على استقرار الأسعار على تخفيف المخاوف من التضخم.
ولكن كيف قد يكون رد فعل ألمانيا عندما تصبح الفجوة بين الشمال والجنوب متسعة بالقدر الكافي لتهديد قدرة اليورو على البقاء؟ تتوقف الإجابة على الكيفية التي قد تنظر بها ألمانيا إلى مصالحها في الأمد البعيد، وعلى اختيارات المستشارة أنجيلا ميركل. والواقع أن انتخابها مؤخراً لفترة ولاية ثالثة يمنحها الحيز اللازم لتبني اختيارات سياسية أكثر جرأة، في حين يرغمها على التركيز بشكل أكبر على إرثها ــ وعلى وجه التحديد ما إذا كانت راغبة في ربط اسمها بانهيار اليورو أو إحيائه.
هناك نتيجتان محتملتان الآن. فيتلخص السيناريو الأول في انتشار الأزمة الاقتصادية والسياسية في بلدان الجنوب، وإثارة المخاوف في ألمانيا من أن تكون البلاد في مواجهة تهديد طويل الأجل. وهذا قد يدفع ألمانيا إلى الانسحاب من منطقة اليورو ومن اتحاد العملة الأصغر حجماً مع بلدان الشمال الأخرى.
أما الاحتمال الثاني فهو أن تظل الأزمة تحت السيطرة نسبيا، وهو ما من شأنه أن يدفع ألمانيا إلى السعي إلى تكوين اتحاد اقتصادي ومالي أوثق. وهذا يستلزم تبادلية بعض الديون الوطنية ونقل السيادة على السياسة الاقتصادية إلى مؤسسات أوروبية فوق وطنية.
بطبيعة الحال، تحمل مثل هذه الخطوة تكاليف سياسية كبيرة في ألمانيا، حيث ينفر العديد من دافعي الضرائب من فكرة تولي المسؤولية عن ديون بلدان الجنوب المسرفة ماليا، من دون النظر في القدر الكبير من المكاسب التي قد تعود على ألمانيا من استقرار الاتحاد النقدي وديناميكيته. ولكن التحالف الأكبر الجديد بين ميركل والديمقراطيين الاجتماعيين قد يكون كافياً لجعل هذا التحول ممكنا.
وحتى مع ذلك، فقد لا يخلو الأمر من وقوع ضحايا. والواقع أن الفشل المستمر الذي تبديه الدول الأصغر حجماً مثل اليونان وقبرص في الوفاء بالتزاماتها يعمل على تعزيز الانطباع بأنها سوف تظل إلى الأبد معتمدة على المساعدات المالية. وقد يكون خروج واحدة أو اثنتين من هذه الدول "غير المنضبطة" شرطاً أساسياً لموافق الجمهور الألماني على مثل هذا التحول السياسي.
لقد تحول الانقسام بين شمال أوروبا وجنوبها إلى قنبلة موقوتة كامنة في أسس اتحاد العملة. وسوف يتطلب نزع فتيل هذه القنبلة الإقلال من التقشف، والمزيد من تحفيز الطلب، فضلاً عن زيادة دعم الاستثمار، والإصلاحات العميقة، وإحراز تقدم ملموس نحو الاتحاد الاقتصادي والسياسي. ولا يملك المرء إلا أن يتمنى أن يكون التعافي المتواضع في الجنوب، بدعم من الزعامة الألمانية القوية في الشمال، كافياً لتوجيه أوروبا في الاتجاه الصحيح.

*وزير الاقتصاد والمالية الأسبق في اليونان (1994-2001).
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق