40 عاما على الحظر النفطي العربي.. دروس مستوحاة

تم نشره في الخميس 26 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • منشأة نفطية في مياه الخليج العربي - (أرشيفية)

بقلم: لهب عطا عبدالوهاب*
مرت قبل أيام قلائل الذكرى الأربعون للحظر النفطي العربي، والذي يعد الأول وربما الأخير في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، والذي جاء في أعقاب حرب أكتوبر 1973.
وتجلى ذلك الحظر في قرار اتخذته الدول العربية الاعضاء في أوبك بوقف الانتاج وحظر التصدير للولايات المتحدة الأميركية، بعد أن اتخذت إدارة الرئيس نيكسون في حينها قراراً بدعم اسرائيل بأسلحة تصل قيمتها إلى 2.2 مليار دولار أميركي لإعادة التوازن العسكري، بعد النجاح الباهر للعرب في تخطي حاجز بارليف المنيع والعبور إلى الضفة الشرقية من قناة السويس.
 كما شمل الحظر دولا أخرى مؤيدة مثل هولندا. ودام الحظر المذكور لمدة ستة أشهر حتى آذار (مارس) 1974 كان من نتائجه سحب 5 ملايين برميل يومياً من النفط الخام من الاسواق ما خلق نقصا حادا في الامدادات لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا، وما مشاهد الطوابير الطويلة التي اصطفت أمام محطات البنزين إلا أبلغ دليل على ذلك.
كما أفضى الحظر النفطي العربي إلى زيادة مطردة في الاسعار، أو الى تصحيح سعر البرميل برأي العديد من المراقبين، إذ وصل إلى 12 دولاراً في ربيع العام 1974 مقابل 2 دولار للبرميل في العام 1973.
إلا أن من أهم النتائج العملية لقرار الحظر العربي هو إنشاء ما يعرف "بوكالة الطاقة الدولية" IEA العام 1975، وهو اقتراح من بنات أفكار د. هنري كسينجر وزير خارجية نيكسون (ومستشار الامن القومي في ادارة الرئيس فورد لاحقاً)، والتي اتخذت من العاصمة الفرنسية باريس مقراً لها، وذلك للدفاع عن مصالح الدول المستهلكة الصناعية في أوروبا وأميركا وآسيا.
 وهي تضم في عضويتها اليوم 28 دولة. ومن أهم الادوات التي بحوزة الوكالة ما يعرف بـ"احتياطي الطوارئ"؛ إذ تلزم الوكالة الدول الاعضاء فيها الاحتفاظ باحتياطي يعادل 90 يوما من الاستيراد للتحوط من أي انقطاع مفاجئ في الإمدادات.
 ويعد الاحتياطي الاميركي فيها الاكبر حجماً والذي يبلغ 700 مليون برميل.
إن نجاح الحظر العربي لم يكن ممكنا لولا التغير الذي خبرته ميادين الطاقة العالمية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ إذ كانت تهيمن على الاسواق الشركات النفطية الاجنبية (الاخوات السبع).
هذا وقد تضافرت عوامل عديدة لانجاح الحظر النفطي العربي منها:
• التحول الهيكلي في سوق النفط: مع انشاء منظمة الاقطار المصدرة للبترول (أوبك) العام 1960، في بغداد، والتي توسعت لتضم في عضويتها اليوم 12 دولة منتجة أهمها السعودية والعراق وإيران والكويت والإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى دول اخرى. وتكمن أهمية أوبك في أنها تضم أكثر من 75 % من الاحتياطي النفطي المؤكد، بالاضافة الى احتوائها على أكثر من ثلث الانتاج العالمي. وقد أفضت هذه العوامل إلى تحول السوق النفطي الذي كان يوصف بـ "سوق المشتري" وتهيمن عليه الشركات النفطية الاجنبية، وهو ما كان سائداً خلال الفترة الممتدة من اربعينيات القرن الماضي لغاية مطلع السبعينيات منه، حين تحول إلى "سوق للبائعين"، بعد ان تمكنت العديد من الدول النفطية من تأميم الصناعة النفطية فيها أو الاستحواذ الكامل على حصص الشركات النفطية الاجنبية.
• نجاح أوبك من خلال آلية الانتاج والابقاء على الاسعار مرتفعة: شهد العالم في السنوات الاربعين المنصرمة زيادة كبيرة في عدد السكان اذ ارتفع من 4 مليار نسمة في اوائل السبعينيات إلى 7 مليار نسمة في نهاية العام 2012، كما حدثت زيادة كبيرة في عدد المركبات والتي تزيد على 850 مليون مركبة متنوعة بما فيها السيارات الخاصة.
ويعد قطاع المواصلات، كما هو معلوم، المستهلك الاول للمشتقات النفطية لاسيما الغازولين والديزل ووقود الطائرات ومن الصعب العثور على بديل له خارج منظومة الوقود الاحفوري.
أضف إلى ذلك النمو الكبير في الاقتصاد الصيني والذي تحول بدءا من العام 1993 من مصدر صاف الى مستورد صاف للنفط. وعملت هذه العوامل على زيادة الطلب العالمي من 55 مليون برميل يومياً إلى أكثر من 88 مليون برميل يومياً في العام 2012.
بيد ان أوبك من خلال التعاون والتنسيق بين دولها الاعضاء تمكنت من الابقاء على انتاجها عند معدل 30 مليون برميل يومياً، وهو نفس معدلها قبل عقود أربعة خلت، ما أبقى السوق بحاجة إلى مزيد من النفط. وهو ما أعطى للسعودية دور الريادة في لعب ما يعرف بـ"المنتج المتمم" Swing Producer لما تتمتع به من طاقة انتاجية فائضة لمقابلة الزيادة العالمية في الطلب. وحيث إن الدول الاعضاء لاسيما الدول العربية الخليجية تعد من أكثر الدول استهلاكاً للطاقة؛ إذ يشار على سبيل المثال، الى ان السعودية تحتل اليوم المرتبة السادسة بين أكبر الدول المستهلكة في العالم متجاوزة بذلك دولا صناعية ذات شأن، منها، ألمانيا وكندا وكوريا الجنوبية، الامر الذي يعني أن هناك كميات اقل للتصدير في ظل نمو الطلب المحلي. وتنظر الدول الاعضاء إلى ان سعر 100 دولار للبرميل يعد السعر "العادل" الذي يلبي تطلعات كافة الفرقاء المعنيين في الصناعة النفطية؛ حيث يلبي تطلعات الدول المنتجة للتوسع في الانفاق الحكومي، كما يلبي طموحات الدول المستهلكة للتوسع في مشاريعها الاستثمارية في التنقيب عن النفط.
الخلاصة؛ إن احداث 19 تشرين الأول (اكتوبر) 1973 والتي شهدت إشهاراً ناجعاً لسلاح النفط في سابقة تعد الاولى في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، هو حدث يصعب تكراره اليوم لظروف موضوعية عديدة منها على سبيل المثال ثورة الوقود الصخري التي تنذر بتحول دراماتيكي في مرئيات أسواق الطاقة العالمية.

* اقتصادي متخصص في شؤون الطاقة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مانشستر. بريطانيا (عدنان يانوزاي)

    الأحد 29 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    أودّ ان اشكر الكاتب على هذا التحليل الدقيق والموجز في ان واحد. الاستفادة من تجارب الماضي هي الخطوة الاولى نحو التقدم. لذا فان التحليل الموضوعي لأحداث التصدير النفطي العربي يحمل في طياته دروسا وعبر نافعة في نظرتنا الى المستقبل فشكرا مرة اخرى على هذه المساهمه القيمه
  • »الدروس والعبر (مقداد الخطيب)

    الخميس 26 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    اشكرك كثيرا لتذكيري بما نستطيع فعله لو اتحدنا.
    هذه رسالة للقادة العرب يجب ان يتعظوابها ... فاتحادهم قوة... وعليهم ان يتازلوا لبعضهم من اجل مستقبلهم ومستقبل شعوبهم.
    بارك الله فيك استاذ . وفقك الله لما فيه خير الامة ورفعتها.
  • »ايام الاتحاد والقوة (عبدالله البحرين)

    الخميس 26 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    مواقف مشرفة للوطن العربي شعوب وقادة