ثقة المستثمرين الأجانب في بورصة عمان

تم نشره في الخميس 26 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً

*سامر سنقرط
تتسم تداولات نهاية كل عام بسيادة ضغوطات البيع الإجباري لتحقيق عدة غايات أهمها تصفية المراكز المالية المكشوفة والذمم المدينة لدى شركات الوساطة المالية للإلتزام بمعايير الملاءة المالية المفروضة من قبل هيئة الأوراق المالية. ومن ناحية ثانية، تسعى المحافظ  المالية المؤسسية والكبرى لجني المكاسب لإظهارها كأرباح محققة وفعلية تسجل ضمن ميزانية السنة المالية الحالية ، فيما تتجه بعض المحافظ والصناديق الأخرى إلى البيع بغرض الحد من الخسائر أو تقليصها أو توفير سيولة لإظهارها في ميزانية السنة الحالية. ونتيجة لضغوطات البيع الإجبارية سالفة الذكر تهبط أسعار الأسهم إلى مستويات متدنية لا تتناسب مع القيم العادلة او الحقيقية لها، وبالتالي تنشأ هنا فرصة لاصطياد الأسهم الواعدة التي من المتوقع أن تقوم بإجراء توزيعات نقدية أو عينية مجزية لمساهميها في مطلع العام الجديد، وخاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار تدني أسعار الأسهم الحالية عند مستوياتها التاريخية، فيكون عائد التوزيع  ( المعفى من الضرائب ) مجزيا مقارنة مع عائد الودائع ( الخاضع للضرائب) والذي بدأ يشهد انخفاضا تدريجيا خلال الأشهر الأخيرة على إثر قيام البنك المركزي الأردني مؤخرا بتخفيض أسعار الفوائد الرسمية مرتين منذ شهر آب (أغسطس) المنصرم.  من ناحية ثانية، تلجأ أحيانا قليلة بعض المحافظ الكبيرة في الايام الأخيرة من العام إلى تكثيف عمليات شراء الأسهم بغية رفع أسعار إغلاقاتها مع نهاية العام بهدف تحسين أداء محافظها.
وقد لاحظنا خلال السنوات القليلة الماضية كيف استطاعت بعض المحافظ والصناديق المتخصصة والمستثمرين الذين يملكون سيولة فائضة ( ولا يعتمدون على الاقتراض لتمويل  عمليات شرائهم للأسهم)  من تحقيق عوائد هائلة من خلال استغلال عمليات البيع الإجباري في نهاية كل عام والاستفادة من تدني أسعار الأسهم الناتج عن عمليات التسييل القسرية. إذ أن عمليات الشراء المكثفة  للأسهم في نهاية العام من قبل المستثمرين ذوي السيولة الفائضة ( أو ما يعرف بالأموال الذكية التي تقتنص هذه الفرص النادرة وخاصة من قبل صناديق الاستثمار الأجنبية ) سوف تفضي إلى تحقيق عوائد وفيرة لهؤلاء المستثمرين  والاستفادة من  ظاهرة ما يسمى بتأثير كانون الثاني (يناير)، ولا سيما في بداية العام الجديد عندما يبدأ المستثمرون ببناء محافظ استثمارية جديدة وترتفع الأسهم بفعل دخول تدفقات استثمارية جديدة للسوق، وهذا ما يحصل في كل عام في معظم الأسواق المالية في العالم. 
كما لاحظنا كيف أصبحت صناديق الاستثمار الأجنبية العاملة في الأردن  تركز في الآونة الأخيرة على شراء هذه الأسهم الواعدة التي تدنت أسعارها بالفعل إلى مستويات رخيصة جدا ومغرية قياسا مع قيمها العادلة، حيث نلاحظ بأن صافي الاستثمار الأجنبي في بورصة عمان ما يزال ينمو إيجابيا  للعام الثالث على التوالي، حيث ارتفعت قيمته للأحد عشر شهرا الأولى من العام الحالي بمقدار 135 مليون دينار مقابل 33.2 مليون دينار لعام 2012 برغم الظروف السائدة في المنطقة، وارتفعت نسبته إلى 50 % من إجمالي رؤوس أموال الشركات المساهمة العامة، أي أن المستثمرين الأجانب يشترون أسهما أردنية أكثر مما يبيعون خلال الأعوام الثلاثة الماضية، أي أنهم يثقون بأسهمنا وباقتصادنا أكثر مما نثق نحن بأنفسنا! وهم يقومون بإجراء عمليات شراء الأسهم استنادا إلى دراسات و معايير علمية وتحليلية دقيقة، بحيث يتم التركيز بطريقة انتقائية  على شراء الأسهم الاستراتيجية والقيادية الواعدة بينما يلهث معظم المضاربين الأردنيين وراء الأسهم الخاسرة سعيا وراء الربح السريع ولكن غير المضمون. وعندما ترتفع أسعار الاسهم القيادية بصورة كبيرة قد يلحق هؤلاء المضاربون بالمستثمرين الأجانب ويشترونها بأسعار مرتفعة بعد فوات الأوان.
والخلاصة أن من يمتلك سيولة فائضة حاليا ويستثمرها في الأسهم الأردنية التي تقوم بتوزيع أرباح جيدة سوف يجني عوائد ممتازة خلال الربع الأول من العام القادم. ولعل المَحافظ المالية المحلية للبنوك وشركات التأمين وصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي وصناديق الادخار والاستثمار لدى النقابات  (والتي تمتلك أحجاما هائلة من السيولة المعطلة ) تقتفي أثر صناديق الاستثمار الأجنبية وتلتقط إشاراتها بشأن الأسهم الواعدة الرخيصة، وأخيرا لعل هذه المحافظ المحلية تثق بالأسهم الأردنية القيادية ( وليس المضاربية) مثلما يثق المستثمرون الأجانب (المحترفون) بها، علما بأن نفس هذه المحافظ كانت تندفع بصورة عشوائية لشراء الأسهم بأضعاف أسعارها الحالية إبان الفورة المالية السابقة. وكانت البنوك أيضا تندفع بصورة جنونية لتمويل عمليات شراء الأسهم. لكن التوظيف العقلاني للأموال حاليا وعدم الاندفاع والتهور، بل باقتناص الأسعار الرخيصة سوف يعطي هذه المحافظ عوائد مجزية علاوة على تنويع إيراداتها.

* خبير مالي ومصرفي

التعليق