الخريطة الاقتصادية ما بعد الاتفاق النووي الإيراني

تم نشره في الأحد 22 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً

د.أنور عادل الخفش*
غنيٌّ عن الذكر بأن الاتفاق النووي الإيراني هو عنوان مرحلة تاريخية جديدة في إدارة النفوذ العالمي وخاصة على الصعيد الاقتصادي.
وكان هنالك من ينتظر حربا؛ لكن الاتفاق جاء عكس قاعدة التوازن لمرتكزات السياسة الخارجية الأميركية الإقليمية خلال الفترة الماضية والقائمة على أمن إسرائيل وتأمين وإدارة إنتاج النفط في الأسواق العالمية والتغيير في استراتيجية أميركا النفطية نحو الاعتماد الذاتي.
إن نتائج ومفاعيل الاتفاق سترسم معالم التحولات الجيوسياسية الكبرى، وتوزيع المصالح وتغيير الخريطة الاقتصادية لعالم جديد، وإعادة تموضع النفوذ عنوانه الشراكة الدولية.
لا نريد أن نذهب كثيراً بتحليل اتجاه ما يحصل من تغيير في السياسة الأميركية؛ كذلك لا يفكر أحد بإنهاء الدور السعودي ولا يمكن لأي جهة إنهاء هذا الدور.
إن مقالة وزير الخارجية الإيراني الذي اختار جريدة الشرق الأوسط لنشرها تحت عنوان "الأولوية لجيراننا"، يؤكد إدراك إيران لأهمية هذا الدور، بل أستطيع القول كمراقب "إن إيران تسعى بجدية للتفاهم مع السعودية ومن الأفضل لإيران إثبات جديتها في رفع القلق العربي وتفهم هذه المخاوف وتقدم ما يطمئن دول المنطقة والسعي بأن تكون السعودية شريكا وجزءاً من الحل، بل المطلوب من الدول الكبرى إعادة تشكيل أطراف المفاوضات النهائية لتصبح (6+2) الدول الكبرى وإيران والسعودية".
إن هذه الصيغة تشكل ضمانة للتفاهم السعودي الإيراني، ومن المعروف أن إيران تعمل ضمن خريطة طريق بتوافق وبمظلة منظومة دولية، وفي المقابل المطلوب بأن تكون السعودية ضامنة لإنهاء الصراعات الاقليمية.
الاتفاق المبدئي مدته ستة أشهر، وتعد هذه الفترة اختبارا أو مرحلة تبريد للصراعات أو فرصة لإعادة التموضع الإقليمي وأن التفاهمات السياسية غير المعلنة للاتفاق هو الاعتراف بدور إيران في إدارة النفوذ الإقليمي.
من الحكمة أن نجعل إسرائيل هي المتضرر الوحيد من هذا الاتفاق، من خلال اعتماد سياسة التقريب والتقارب مع إيران بهدف الوصول إلى تفاهمات تضمن صيغة المشاركة في الحل النهائي وشركاء المستقبل.
والتقارب أفضل من مواجهة لا جدوى مرجوة منها؛ فعندما يقول الرئيس الأميركي ما اتفق عليه سيجعل العالم أكثر أمناً يعني أن معارضة الاتفاق لن تجدي نفعا.
إن الانفتاح الدولي على إيران سيجعلها القوة الاقتصادية الأكبر في المنطقة؛ هذه حقيقة؛ فلابد أن نكون جاهزين لهذه النتيجة الحتمية رغم الحصار الاقتصادي والمقاطعة الدولية لإيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
يعد اقتصاد إيران ثالث أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، وإيران إحدى الدول التي لم تتأثر من الأزمة المالية العالمية العام 2008.
بلغ الناتج الإجمالي لإيران 997.4 مليار دولار العام 2012، ومصدر قوة الاقتصاد الإيراني كامن في تنوع مصادره، مما يجعله مؤهلا ليكون من الاقتصادات الكبرى.
تشكل الزراعة 10.9 % والصناعة 45.2 % والخدمات 43.9 % والصناعات الإيرانية شاملة للقطاعات كافة (السيارات، الإلكترونيات، الصناعات الغذائية والمعدنية والصناعات العسكرية، الاتصالات، الأدوية، الإسمنت)، بالإضافة لتقدمهم بالصناعات الهندسية وامتلاك المعرفة الفنية، فيما تم إنجاز كل هذا رغم الضغوط والعقوبات الاقتصادية والسياسية.
إن تطور الاقتصاد الإيراني بعد الاتفاق وإنهاء العقوبات سيمكنها من استرداد ما يزيد على 100 مليار دولار والانفتاح على الأسواق العالمية والتجارة الدولية.
ومن المعروف أنها عضو في منظمة التعاون الاقتصادي أوبك ومنظمة التجارة العالمية (مراقب)، وأن إعادة حصة إيران من الصادرات النفطية سيمكنها من تعزيز قوة وقدرة واستقرار اقتصادها وصولاً إلى الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي والعمل على تصدير الطاقة النووية  مما سيزيد من تأثيرها السياسي.
يشير عدد من التقارير الاقتصادية المتخصصة بأن أوروبا تستعد لإقامة مصانع في إيران، كما أن صناعة النفط والشركات الأميركية تستعد للعودة للسوق الإيراني.
أَدرِكوا آثار الاتفاق بالتدبير وصولاً إلى تفاهم اقتصادي مشترك  والتفكير بمبادلة استثمارية لإيران مقابل الاستثمار المباشر في حصص لصناعات استراتيجية إيرانية قائمة من صناعة الإلكترونيات وصناعة التعدين والاتصالات مع حقوق نقل المعرفة الفنية واستيراد الطاقة النووية بشروط تفضيلية مستقبلاً، بل العمل على مؤسسة التفاهم الاقتصادي من خلال نافذة دبلوماسية اقتصادية والعمل على إنشاء مجلس اقتصادي مشترك.
التفكير بصياغة تفاهم للشراكة في المنطقة هو طريق الفكر الراشد والعقل الراجح، وأن نكون شركاء في الحل هو الضمان الوحيد الذي يؤمن طريقا سريعا للشراكة الشاملة طويلة الأمد وشراكة استراتيجية حقيقية.
العمل على إعادة التموضع في الإقليم سيكون متناغماً ومنسجماً لما تم التوصل له من تفاهمات دولية مع إيران، مما يوفر للمجموعة العربية دورها كشريك لا يمكن تجاوزه في عملية تطوير وإدارة النفوذ الإقليمي على أسس الشراكة الإقليمية المتوازنة في المجال السياسي والإقتصادي وإنهاء سياسة المحاور والعمل معاً على إنهاء الصراعات الإقليمية وضرورة أن تعمل كل القوى السياسية في إيجاد بيئة تعزز الحوار والتلاقي.


* خبير اقتصادي وباحث بالشؤون الاستراتيجية

التعليق