العشق الجديد للجيش المصري

تم نشره في الخميس 19 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً

ترودي روبين (ذا إنكويَرر) 13/12/2013

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

القاهرة – قبل ثلاث سنوات تقريباً، في ذروة الربيع العربي، كان ميدان التحرير مزيناً بالشاخصات التي تحمل صور شبان كانوا قد قتلوا على يد قوات الأمن. وسوّق الباعة المتجولون قمصاناً تحمل صور وجوه هؤلاء الشهداء.
لكن تلك اليافطات ولت منذ وقت طويل، وأصبح الباعة المتجولون يبيعون في هذا العام قمصاناً قصيرة الأكمام تحمل صورة الفريق عبد الفتاح السيسي، قائد الجيش الذي أشرف في شهر تموز (يوليو) على إسقاط أول رئيس مصري منتخب ديمقراطياً، ورجل جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي. وتحتل سحنة السيسي الآن واجهات البوسترات وعلب الشوكولاتة الفاخرة، وفي لقطة معالجة بالفوتوشوب على الإنترنت، تم طبع صورته، استراتيجياً، على زوج من السراويل الداخلية الرجالية.
أما الأغرب من ذلك كله، فهو رؤية قمصان صورة السيسي قصيرة الأكمام معلقة إلى جانب بقايا أشياء تحمل وجوه شهداء ميدان التحرير. وقد مات هؤلاء الشباب في جهد يرمي إلى إسقاط نظام حسني مبارك السابق المدعوم من الجيش، وإقامة انتخابات ديمقراطية. والآن، أصبح الكثير من زملائهم الثوريين معجبين بالسيسي ويدعونه إلى الترشح لمنصب الرئاسة.
الأسباب التي جعلت العديد من الليبراليين، وعددا هائلا من المصريين العاديين يقعون في غرام الجنرال تعكس العقبات الكبيرة التي تقف أمام بناء الديمقراطية في مصر. لكن قصة السيسي لم تنته بعد.
في مقهى ريش التاريخي الذي يشكل هوساً للكتاب والصحفيين وسط المدينة، قال لي محب دوس (25 عاماً) عن السبب الذي جعله يشكل هو وأصدقاؤه الجماعة المعروفة باسم "تمرد" التي ساعدت على الإطاحة بمرسي. وقد أفضت حملة حركة "تمرد" الرامية إلى جمع ملايين التواقيع (بمساعدة من الجيش وأجهزة الجيش الأمنية) إلى خروج مسيرات شعبية حاشدة تدعو إلى سقوط مرسي.
عندئذ، استخدم الجيش المسيرات والمسيرات المضادة كمبرر لطرد مرسي، مدعياً أن الفوضى يمكن أن تفضي إلى نشوب حرب أهلية.
ولكن، بما أن مرسي كان غير شعبي إلى حد كبير، لماذا لم يحاول الليبراليون خلعه من المنصب في الانتخابات القادمة؟ كان دوس صريحاً حين قال: "كان علينا أن نفعلها بهذه الطريقة بسبب ضعف الأحزاب الليبرالية. تلك الأحزاب لم تستطع إلحاق الهزيمة بالإخوان المسلمين في الانتخابات".
وهو محق. المصريون جدد على سياسة الأحزاب. ومع استثناءات قليلة، ليس للأحزاب الليبرالية الصغيرة منظمات خارج المدن. وعلى عكس جماعة الإخوان المسلمين المتركزة في المساجد، فإن للأحزاب الليبرالية الحد الأدنى من القدرة على كسب الأصوات.
وهكذا، تعلم الليبراليون أن يحبوا الجنرال، لأن تلك كانت الطريقة الوحيدة لإبعاد مرسي عن السلطة، بعد خشيتهم أن يقوم بأسلمة حكومتهم.
لكن التظاهرات المناهضة لمرسي ضمت أيضاً مصريين ريفيين ومن الطبقة العاملة، حتى لو ان العديد من هؤلاء كانوا قد صوتوا لمرسي. وفي مقهى رامي الواقع في ضاحية إمبامة التي تقطنها الطبقة العاملة، قال مدخنو الشيشة إنهم سئموا من نقص الغاز والكهرباء وانعدام الاستقرار طوال ثلاث سنوات. ولو أن حكومة مرسي كانت كفؤة وتمكنت من خلق الوظائف، فإنها ربما كانت ستظل باقية في السلطة إلى هذا الوقت.
قال لي آخرون أن ثورة ميدان التحرير أعطت المصريين الأمل بحياة أفضل، وأن جوع مرسي للسلطة، وولاءه لجماعة الإخوان المسلمين السرية، جعلتهم يشعرون بأنهم تعرضوا للخداع. ويقول ناصر عبد الحليم، مهندس البرمجيات وأحد القادة الشباب لثورة العام 2011: "بعد استيلائها على السلطة، أعطت جماعة الإخوان المسلمين الناس شعوراً بأن أحداً ما يسرق ثورتهم. كان الناس متأكدين أن الجماعة ستمارس نفس الفساد الذي مارسه مبارك، وإنما لمصلحة قبيلتها الخاصة، وكان رد الفعل متطرفاً".
وهكذا، عمل الغضب الشعبي ومخاوف الليبراليين (بالإضافة إلى حملة وسائل إعلام الدولة الضخمة التي شيطنت الإخوان ووصمتهم بالخيانة) على تغذية صورة السيسي البطولية. كما يبدو أنها خدرت مشاعر معظم المصريين إزاء القتل الذي مارسته قوات الأمن ضد المئات من متظاهري الإخوان، واعتقال الآلاف منهم –بالإضافة إلى الاعتقالات الأخيرة للمحتجين والمدونين الليبراليين الذين كانوا شخصيات بارزة في ثورة ميدان التحرير.
يحتل السيسي حالياً أكثر المناصب قوة في مصر، وزير الدفاع، وتستثني مسودة الدستور الجديد ذلك المنصب من السيطرة السياسية للسنوات الثماني القادمة. لكن البلد ينتظر ليرى ما إذا كان الجنرال سوف يخوض الانتخابات الرئاسية في الربيع القادم. ولا يشك أحد في أنه سيفوز إذا فعل.
هوس الناس بمرسي يجعل المرء يتساءل عما إذا أصبحت ثورة ميدان التحرير دائرة مكتملة، حيث الليبراليون والجماهير ينتخبون جنرالاً بعد إسقاط نظام يقوده العسكر في العام 2011. لكن الإجابة أبعد ما تكون عن الوضوح.
يقال إن السيسي يفضل ممارسة السلطة من الخلفية، بما أن أي رئيس سوف يلام على مشاكل البلاد الاقتصادية المستمرة. وهو يعرف أن الرأي العام متقلب. ومع ذلك، يقول المحللون هنا إن الافتقار إلى مرشحين آخرين أقوياء ربما يقنع الجنرال بخوض السباق الرئاسي.
وحتى لو فعل، فإن مصر لن تصبح دكتاتورية تقليدية؛ سيكون هناك بعض الفضاء المتاح لنمو الأحزاب والحركات السياسية. وعلى الرغم من الحملة الحالية، فإن السيسي ليس مقدوداً في قالب بوتين أو بينوشيه. وبعد ميدان التحرير و"تمرد"، لن يستطيع -حتى جنرال- تجاهل الرأي العام.
إذا ما أصبح السيسي رئيساً، كما يقول ناشط حقوق الإنسان المصري حسام بهجت، فإن "أملنا الوحيد سيكون أن يتخلص الناس من الأسطورة القائلة بأن الجيش هو المؤسسة الوحيدة التي تستطيع أن تصنع المعجزات في مصر". سوف يكون من شأن السيسي، إذا أصبح رئيساً، أن يسرّع هذه العملية، كما يضيف بهجت، لأن مشكلات القيادة السياسية تعيد صورة الجنرال-النجم إلى أرض الواقع.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Worldview: New love for Egypt's military

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق