الأعمال التي لم ينجزها مانديلا: الإرث غير المكتمل لوالد جنوب أفريقيا المؤسس

تم نشره في الأحد 8 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق نيلسون مانديلا بريشة الزميل إحسان رمزي -(الغد)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ريان إيروين* -

(فورين أفيرز) 5/12/2013
عاش نيلسون مانديلا حياة من الأعظم في القرن العشرين على الإطلاق. كان سجيناً سياسياً أصبح رجلاً حراً، ومناضلاً من أجل الحرية حقق المصالحة، ورئيساً كافح من أجل المساواة والتطور. وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما عنه خلال رئاسته الأخيرة لجنوب أفريقيا: "جعلنا مانديلا نرى كيف أن شجاعة رجل واحد يمكن أن تحرك العالم بأسره". وبالنسبة للكثيرين، تشكل حياة مانديلا مصدر تذكير دائم بأن الأمل والنضال يمكن أن يغيرا وجهة التاريخ إلى الأفضل.
مع ذلك، تشكل جنوب أفريقيا بالكاد قصة نجاح كاملة غير منقوصة. هناك، يحوم معدل البطالة حول 30 %، ويعيش نحو ربع الأفارقة الجنوبيين عند خط الفقر أو بالقرب منه. وكشف تقرير للأمم المتحدة صدر مؤخراً أن 1.4 من أطفال جنوب أفريقيا يعيشون في منازل تعتمد على الجداول القذرة في مياه الشرب، وأنه ليس لدى 1.5 مليون شخص وصول إلى مراحيض صحية فيها ماء دافق، وأن 1.7 مليون يعيشون في أكواخ بلا مرافق للغسل ولا معدات للطهي. ويعاني نحو 6 ملايين في جنوب أفريقيا من مرض نقص المناعة المتكسبة (الإيدز)، كما أن عدد سكان البلد من الشباب ينمو بسرعة: حوالي 40 % من السكان وُلدوا بعد إطلاق سراح مانديلا من السجن في العام 1990.
غالباً ما يحاول المراقبون الخارجيون فصل ماضي مانديلا عن حاضر جنوب أفريقيا. إذا كانت الأشياء تداعت وتحطمت، كما تقول الأطروحة، فإن ذلك حدث فقط لأن حزب مانديلا السياسي؛ حزب المؤتمر الأفريقي، فشل في اللحاق به إلى الأرض الموعودة. حتى وهو في أواسط التسعينيات من عمره، كان مانديلا في معزل عن الحياة العامة، لكنه ظل مطلق الحضور في كل مكان مع ذلك: تذكيراً مستمراً بنبل ماضي جنوب أفريقيا المناهض للفصل العنصري، ومعياراً تقاس عليه ضمنياً مواطن قصور قادة حزب الوطن الأفريقي الحاليين.
هل يستطيع نيلسون مانديلا آخر أن يبرئ جنوب أفريقيا من عللها؟ يقع هذا السؤال في قلب النقاش الدائر حول إرث نيلسون مانديلا وحول مستقبل جنوب أفريقيا. لكن هذا هو السؤال الخطأ. مع أن العديد من المؤرخين والرواة زاروا حكاية مانديلاً، فإن من الغريب أن استراتيجيته الممتازة -بالتحديد، دوره في النضال العالمي من أجل تعريف ماهية جنوب أفريقيا وما يمكن أن تكون- لم تنل حقها من التقدير والعناية. هذه المسألة تثير سؤالاً أساسياً وأكثر أهمية: ما هي جنوب أفريقيا؟ سيكون من المستحيل فهم جنوب أفريقيا اليوم من دون تقدير آثار إجابة مانديلا المركبة عن هذا السؤال.
عبقرية مانديلا
نبعت عبقرية مانديلا من الطريقة التي كان يتحدث بها عن جنوب أفريقيا. عندما كان ناشطاً شاباً في حزب المؤتمر الوطني في الخمسينيات، كان ينتمي إلى مجتمع يفيض بالخلافات. كان القوميون الأفارقة يسعون إلى تحقيق هيمنة سوداء في داخل حركة النضال من أجل الحرية، وكان الشيوعين يريدون وضع نهاية للرأسمالية، وكان الليبراليون يأملون بالوصول إلى ديمقراطية حقيقية. وقد تمكن مانديلا من الإبحار وشق الطريق عبر هذه الألغام الأرضية الأيديولوجية ببراعة غير عادية. وبكلمات المؤرخ توم لودج، كان نهجه "يتعلق أساساً بصناعة القصص... ويتعلق بشكل ثانوي فقط بالرؤية الأيديولوجية". لم يبشر مانديلا بوجهة نظر مخصوصة بقدر ما عُني ببناء شراكات بين الجماعات المختلفة التي تتقاسم هدف إنهاء الفصل العنصري.
لم يكن استخراج ذلك مهمة سهلة في جنوب أفريقيا منتصف القرن العشرين. كان ذلك البلد الذي يقع في نقطة التقاء المحيطين الأطلسي والهندي، مكاناً متسماً بالتنوع على نحو غير عادي، شكله الالتقاء التاريخي بين الشعوب الأفريقية، والمستوطنين الأوروبيين، والمهاجرين الآسيويين. وقد جعل ذلك التنوع من البلد بمثابة نموذج مصغر للحالة البشرية كلها بالنسبة للبعض، وفرصة استثمارية ديناميكية لآخرين، ومراكز لشحذ النقاش حول الكولونيالية والقومية بالنسبة للبعض الآخر أيضاً.
في مواجهة هذا التنوع، مزج مانديلا بين موهبة القصّ وبين السياسة ببراعة لافتة. وفي وقت مبكر هو العام 1962، قام بصياغة استراتيجية تركز على علم النفس بقدر ما تركز على النضال. لم يكن هدف مانديلا المعلن هو ترويع المجتمع الأبيض، وإنما كان "تدمير شرعية الحكومة"، بشكل أساسي من خلال تشكيل وعي الجماهير في كل مكان، وإقامة رؤوس الجسور في الساحة الدولية. وكوسيلة لتحقيق هذا الهدف، كتب أن على حزب المؤتمر الوطني الأفريقي تقديم نفسه بوصفه "سلطة موازية في إدارة إقامة العدل في (جنوب أفريقيا)"، وهو تعريف يعني أشياء مختلفة للجماهير المختلفة، ويتضمن رسالة تقوم بتخفيف حدة الخلافات بين نقاد نظام الفصل العنصري.
كانت براعة مانديلا واضحة في الخارج بشكل خاص. فخلال أسفاره في بواكير الستينيات، بشر بالقومية عبر دول أفريقيا ما بعد الاستعمار، واحتفى بالثوري الكوبي فيدل كاسترو في محادثاته مع زعماء العالم الثالث، وأشاد بالليبرالية وهو يتحدث إلى الجمهور في لندن. ثم حافظ على هذه المرونة بعد عودته إلى الحياة السياسية في العام 1990. كانت حركة مانديلا المناهضة للفصل العنصري تشكل في الوقت نفسه حصناً ضد الإمبريالية الجديدة neoimperialism (في هافانا)، وامتداداً لحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة (في نيويورك). كما أكد مانديلا للسويديين في العام 1990، "جنوب أفريقيا الجديدة" سوف تكون "بلداً موحَّداً وديمقراطياً، غير متحيز ضد المرأة وغير عنصري". سوف تكون "بلداً ملتزماً بحزم فيما يتعلق بالقضايا الأساسية والعالمية لحقوق الإنسان، وحق كل فرد وفرصته في التنمية الكاملة وغير المقيدة، وحق كل بلد في تحديد مستقبله، وحماية البيئة والسلام في عالم يجب أن يكون خالياً من الصراعات الإقليمية وخطر الحرب النووية". كانت هذه رؤية مصممة لإرضاء الجميع -وأداء استطاع أن يكسب الشرعية الدولية لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي.
انتصار مانديلا الجزئي
تطلبت هذه الاستراتيجية وجود شبكة دعم كبيرة. وفي الحقيقة، اعتمد مانديلا على مجموعة موسعة من الأنصار طوال مسيرته السياسية. فبعد إلقاء القبض عليه في العام 1962، على سبيل المثال، قام رئيس رئيس حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في المنفى، أوليفر تامبو، بتحشيد الجمهور الدولي بواسطة الخطب والنشاطات، وقام بتوظيف قصة مانديلا بعناية من أجل دعم رسالة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي التعددية. وفي داخل جنوب أفريقيا، عملت زوجة مانديلا الثانية، ويني مانديلا، المنظِّمة المؤثرة في ذاتها، على التأثير في مشاعر الشباب عن طريق إعادة صياغة صورة زوجها كبطل لوعي السود في السبعينيات. وفي وقت مبكر من التسعينيات، عندما تشاحن مانديلا علناً مع دي كليرك، آخر رئيس لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، قام مرؤوسوه داخل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، سيريل رامافوزا وثابو مبيكي، بالتفاوض على أول انتخابات متعددة الأعراق في جنوب أفريقيا مع الحكومة القومية. وبحلول منتصف التسعينيات، كان ماديبا -لقب العشيرة الذي لحق مانديلا إلى الحياة العامة- مجرد الوجه الخارجي فقط لعملية تتحرك في اتجاهات عدة في وقت واحد.
أدت هذه الاستراتيجية إلى إنتاج مشاكل لا مفر منها عندما تولى مانديلا مقاليد الحكم في العام 1994. وكما لاحظ الصحفي باتي فالدمير، لم تكن الصحف المحلية تفتقر تماماً إلى المسوغ عندما قالت: "هلا يقف مانديلا الحقيقي، رجاء؟". لقد ناقض الرئيس نفسه في كثير من الأحيان في منتصف التسعينيات، فيما جاء في جزء منه إلى كونه يواجه مهمة مستحيلة. فلما كان قد صمم الاستراتيجية التي عكست، بشكل هادف ومقصود، وجهات نظر الكثير من الفئات المختلفة، وصل مانديلا إلى رئاسة دائرة انتخابية تتضمن مالكي الأرض بوضع اليد العاطلين عن العمل، ورجال الأعمال الأثرياء، والمثقفين الليبراليين، والقوميين الشباب. وكما اعترف تقرير سري لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي في العام 1991، كانت المنظمة تواجه خطر أن تكون "محشورة في داخل حدود الخطاب الشعبوي والكليشيهات".
كان تحويل تعددية مانديلا إلى عقيدة متماسكة للحكم أمراً صعباً جداً. ويجري تذكر مانديلا اليوم أكثر ما يكون بأعماله الرمزية، والإيماءات التي "جعلتنا نحن الجنوب أفريقيين نشعر بالرضا عن أنفسنا"، بعبارة الناشط ديزموند توتو، مثل احتضان فريق لعبة الرجبي الوطني في البلاد، سبرينغبوكس، خلال نهائيات كأس العالم للرجبي العام 1995. وقد طور مانديلا سياسة الحكومة الفعلية ببطء، بينما كان يتفاوض على دستور بلاده في الأعوام بين 1994 و1997، متبنياً خطاً متشدداً بشأن التعددية الثقافية، في حين يتخلى عن التزامه بإعادة توزيع الثروة. وبكلمات مانديلا، فقد كان في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا في العام 1992، عندما قال "أدركتُ، كما لم يحدث من قبل، أننا إذا أردنا الاستثمارات... فإن علينا أن نزيل الخوف من نفس قطاع الأعمال". هذا هو الحد الذي أمكن لملَكة القصّ أن تذهب إليه، وحسب.
إن جنوب أفريقيا اليوم هي انعكاس لرئاسة مانديلا والاستراتيجية الكبرى التي سبقتها. من خلال تبني ذلك الموقف التعددي في النشاط السياسي المناهض للفصل العنصري، استطاع حزب مانديلا، المؤتمر الوطني الأفريقي، أن ينهي بنجاح شرعية حكومة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا. ومع ذلك، صنعت تلك الجهود توقعات مرتفعة بشكل غير عادي بين الأنصار الذين اعتنقوا حزب المؤتمر الوطني الأفريقي لأسباب متنوعة بقدر تنوع جنوب أفريقيا نفسها. وقد صنع التنافر الناتج مفارقة جنوب أفريقيا: ما يزال البلد المشرب بالمفردات الغنية عن الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحقوق الإنسان المدنية، ما يزال يعاني من اللامساواة المتفشية في الدخل، ومن البطالة البنيوية، والفقر المنتشر.
لن يتمكن نيلسون مانديلا آخر من شفاء جنوب أفريقيا من هذه العلل. وحتى يزدهر في القرن الحادي والعشرين، لا يحتاج ذلك البلد الآن إلى الأمل والنشاط السياسي، وإنما يحتاج إلى التكنوقراط والمهندسين الذين يمكن أن يطوروا حلولاً عملية لواقع فوضوي مكون من الخراب الحضري والفقر الريفي. ربما تكون هذه هي رسالة مانديلا إلى الجيل الذي ولد بعد العام 1990. وكان قد قال بعد وقت قصير من تقاعده في العام 1999: "هناك رجال ونساء جيدون في كل المجتمعات". لكن "واجب القائد الحقيقي"، كما أكد، ليس جلب هؤلاء الناس إلى التيار العام وحسب، وإنما "منحهم المهام لخدمة مجتمعهم" أيضاً. إن جنوب أفريقيا الحديثة تحتاج الآن إلى زعيم يستطيع أن يفعل هذا الأمر الأخير بالتحديد.


*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Mandela's Unfinished Business
*مؤرخ وأستاذ مساعد للتاريخ في كلية العلوم والآداب، جامعة ألباني. آخر كتبه هو "غوديان نوت: الفصل العنصري ونقض نظام العالم الليبرالي". جامعة أكسفورد، 2012.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مانديلا (امال بن رابح)

    الثلاثاء 10 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    انت رجل انت رجل ولا كل الرجال يانيلسون الله يرحم البطن الدي حملك
  • »مانديلا (امال بن رابح)

    الثلاثاء 10 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    انت رجل انت رجل ولا كل الرجال يانيلسون الله يرحم البطن الدي حملك
  • »sudan (samuel abbas)

    الأحد 8 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    مأفي اي كلام هو انسان صاديق ما قال