الإسلام السياسي في مصر وتركيا: أجندة متشابهة ومقاربات مختلفة

تم نشره في الثلاثاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • الراحل نجم الدين أربكان أول رئيس إسلامي لحكومة تركية في اجتماع حزبي العام 1997 - (أرشيفية)

عمان - الغد - سبق الإسلام السياسي التركي شقيقه العربي في الوصول إلى السلطة بنحو عقد، إذ وصل حزب العدالة والتنمية التركي السلطة بانتخابات تشريعيّة وليس بثورة شعبية.

تاريخيا لا يعد الاسلام السياسي تركيَ الأصل، فبعد خمس سنوات من طلاق تركيا مع دولة الخلافة في العام 1923 وتأسيس الجمهوريّة على يد مصطفى كمال – أتاتورك (1881- 1938)، قام الشيخ حسن البنّا بتأسيس جماعة الاخوان المسلمين في مصر سنة 1928 في مسعى الى العودة لدولة الخلافة.
في مسعاه للسلطة تميز الاسلام السياسي التركي عن نظيره العربي في الوسائل والاساليب، اذ كان الأتراك أكثر مثابرة مستغلين الهوامش الديمقرطية في الوصول الى سلطة الدولة، لإعادة إنتاجها وفق رؤاهم، فأحكم حزب العدالة والتنمية قبضته على مفاصل الدولة تدريجيا وسلميا، حتى غدت التجربة منارة ومصدر إلهام للاسلاميين والعلمانيين العرب على حد سواء، وهو ما وجد صداه في تونس والمغرب، حيث تأسس حزبان بالاسم نفسه "حزب العدالة والتنمية"، فضلا عن ان جماعة الاخوان المسلمين في مصر، أسست حزباً سياسيّاً، يحمل اسماً قريباً هو "حزب الحرية والعدالة".
ربيع وإسلاميون
وفي خضم الربيع العربي وسنواته الثلاث، واحداثه الدرامية ظهر الإسلاميون المصريون في مواجهة مع الجيش والقضاء وقوى المعارضة شريكتهم في ثورة يناير 2011، حسب محللين وباحثين اعتبروا انه "فور وصول الرئيس المعزول محمد مرسي لرئاسة مصر، بدأ الاسلاميون مواجهة مفتوحة مع المؤسسة العسكريّة والمحكمة الدستوريّة، ومع كل المعارضين لهم".
واستعاد هؤلاء مشهد مصر السياسي آنذاك حيث "بدأ الاخوان مواجهة مع المجتمع والدولة، عبر القرار الذي اتخذه الرئيس المصري محمد مرسي، الذي طالب فيه مجلس الشعب المصري المنحل، (بقرار من الدستوريّة)، للانعقاد، وردّ الأخيرة لقرار مرسي، وموقف المؤسسة العسكريّة من ذلك، ثم الاعلان الدستوري، وطرحه على الاستفتاء، وادخال مصر في دوّامة أزمة داخليّة، قسّمت المجتمع أفقيّاً وعاموديّاً". وأضافوا أن هذه الهفوة التي أسست لأخطاء متتالية أصبحت مع مرور الوقت "مؤسسة من الأخطاء" لم يقدم عليها حزب العدالة والتنمية التركي في مواجهته لـ"الدولة العميقة التركية" التي أضحت ملك يمينه، فضلا عن هيمنته على الأجهزة الأمنية وتطويعها.
"الإخوان" وثورة يوليو: توتر وملاحقات
ومن التاريخ يظهر أن علاقة جيدة ربطت بين حركة الإخوان المسلمين وثورة يوليو 1952 بقيادة جمال عبدالناصر، لكنها توترت لاحقا. مذّاك، بقيت الجماعة على صراع مع الدولة، ومتداخلة في نسيجها، ولو بشكل خفي، حتّى حين كانت محظورة، طيلة العقود الماضية. وأخذ صراع إخوان مصر على السلطة، مع نظام العسكر (عبد الناصر+ السادات+ مبارك) شكلاً دمويّاً في بعض الأحيان.
إسلاميو تركيا: سياسة الكر والفر
أمّا في تركيا، فأوّل حزب إسلامي "حزب النظام الوطني"، تأسس سنة 1970، على يد نجم الدين أربكان (1926-2011)، تمّ حلّه، بعد انقلاب 1971، فعاد ليؤسس حزباً إسلاميّاً جديداً، باسم "حزب السلامة الوطني" سنة 1972. وكان أربكان مندمجاً في الدولة العلمانيّة، وبل ضمّ حزبه لحزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي، وشارك حكومة بلند أجاويد (1925- 2006) القوميّة - اليساريّة غزو جزيرة قبرص سنة 1974. وبانقلاب 12-09-1980، أودع أربكان السجن وتمّ حلّ حزبه. وسنة 1996، أسس حزب الرفاه الإسلامي، ودخل الانتخابات، وشارك في تشكيل حكومة مع حزب الطريق القويم (يمين الوسط)، إلى جانب رئيسة الوزراء السابقة طانسو تشللر. وتمّ إقصاؤه عن الحكم، عبر إجباره على تقديم الاستقالة، وحلّ حزبه في نيسان 1997، فيما اعتبره الأتراك بالانقلاب "المابعد حداثوي" أو "الانقلاب الابيض" الذي قام به الجيش التركي. بعده، أسس أربكان حزب الفضيلة، وأداره من خلف الستار، نتيجة قرار المحكمة الدستوريّة القاضي بإبعاده عن العمل السياسي لخمس سنوات. وهذا الحزب أيضاً، تمّ حظره سنة 2000. وبعد ذلك، انشق عنه رجب طيب اردوغان وعبدالله غول، وأسسا حزب العدالة والتنمية. أما المتبقّي من حزب الفضيلة، فقد أسس حزب السعادة الإسلامي. وهذا الحزب، تعرّض للانشقاق مجدداً، بعد وفاة أربكان. وانضمّ أحد قادة الانشقاق، نعمان كورتولموش الى حزب اردوغان.
ومع تأسيس حزب العدالة والتنمية، دخل الداعية الاسلامي فتح الله غولان، المقيم في اميركا، على خطّ دعم هذا الحزب. وفي الانتخابات الاشتراعيّة سنة 2002، اكتسح الاسلاميون الانتخابات، وشكّلوا الحكومة بمفردهم، ترأسّها رجب طيب اردوغان. وأرسلوا عبدالله غول، أحد مؤسسي الحزب، لرئاسة الجمهوريّة في 28-08-2007. ورويداً، بدأ الاسلاميون، يتغلغلون في جسد الدولة التركيّة، العلمانيّة الاتاتوركيّة.
يعود تاريخ أوّل صدام بين حزب العدالة والتنمية الإسلامي والمحكمة الدستوريّة، إلى آب (أغسطس) 2008، حين تمّ رفع دعوى على حزب العدالة والتنمية الحاكم، أمام المحكمة الدستوريّة العليا، بتهمة "مناهضة العلمانيّة"، وردّت الدستوريّة هذه الدعوى، بعد اصدار إنذار شديد اللهجة إلى حزب أردوغان. هذا القرار، لفت انتباه أردوغان إلى ضرورة شلّ الذراع القضائيّة للكماليست (نسبة لكمال أتاتورك)، وبدأ بمكافحة "الدولة الخفيّة" التابعة للعلمانيين الأتاتوركيين. وذلك بإجراء إصلاحات قانونيّة ودستوريّة، قلّصت صلاحيات المحكمة الدستوريّة، وزيادة عدد قضاتها، بادخال قضاة مقرّبين من العدالة والتنمية لهيئتها. ثمّ طرح تعديلات دستوريّة على الاستفتاء يوم 12-09-2010 مسّت الكثير من صلاحيّات المؤسسة القضائيّة، بما يمكن وصفها بإعادة الهيكلة، بحيث لا تقف حجر عثرة أمام طموحات ومشاريع الحزب الحاكم. وما لبث ان استولى اردوغان على المؤسسة العسكريّة ايضاً، (أهمّ خندق للعلمانيين) عبر تنصب الجنرال نجدت اوزال، المقرّب من اردوغان، بدلاً من الجنرال إلكر باشبوغ. ثمّ الاستيلاء على الاستخبارات القوميّة MIT، بعد تنصيب هاكان فيدان، المقرّب من اردوغان بدلاً من إمراه تانير، ثمّ الاستيلاء على مؤسسة الأمن الداخلي (البوليس)، بالاضافة الى الاستيلاء على امبراطوريّات إعلاميّة، يمتلكها، إمّا جماعة فتح الله غولان كجريدة "زمان" الواسعة الانتشار في تركيا، وصحف يمتلكها مقرّبون من اردوغان كـ"صباح، يني شفق، طرف."، وشبكات تلفزة عديدة.، ووصل امتداد الاسلاميين في "السلطة الرابعة" التركيّة، الى شراء صحف كانت محسوبة على التيار العلماني، اليساري الديمقراطي كجريدة "راديكال" .
وحين استتبّت لأردوغان، كل مفاصل الدولة، بدأ الاسلاميون، حربهم على "الدولة الخفيّة" التابعة للعلمانيين، وإحلال "دولتهم الخفيّة" مكانها. وذلك، عبر محاصرة وتضييق الخناق على مركز القوى التقليديّة في الدولة، برفع الدعوى على كل الجنرالات والسياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال وأساتذة الجامعات، المتورّطين او المشتبه بهم في مخططات انقلاب على حكومة العدالة والتنمية. ثم توسيع دائرة هذه الملاحقات لتطال الجنرالات الضالعين في الانقلاب الابيض الذي استهدف "الخوجة - الاستاذ" نجم الدين اربكان سنة 1997. وصولاً لمحاكمة قادة انقلاب أيلول (سبتمبر) 1980.
نقاط تلاق وتباين بين إسلاميي تركيا ومصر
1 ـ رغم أن الإسلام السياسي، منشأه مصري، وتأسس في تركيا بعد مرور أربعة عقود ونيّف من انطلاقته في مصر، إلاّ أن الاسلاميين في تركيا، شاركوا الحكم، بشكل مباشر، منتصف السبعينيات، ومنتصف التسعينيات. وصاروا يحكمون تركيا منفردين منذ سنة 2002. بينما كان اسلاميو مصر، في المعارضة، منذ تأسيس جماعة الاخوان المسلمين، وحتّى قبل انتخاب محمد مرسي رئيساً للجمهوريّة.
2 ـ اسلاميو تركيا، ورغم الضغوط التي طالتهم، إلاّ انهم لم ينزلقوا الى ممارسة العنف ضدّ الدولة والنظام باستثناء تجربة حزب الله التركي (5) بخلاف إسلاميي مصر.
3 ـ حكومة أردوغان، دخلت في مواجهة مع الجيش والمحكمة الدستوريّة، بعد وصولها للحكم، بست سنوات. بينما دخل إسلاميو مصر في صراع مباشر ومكشوف مع الجيش والمؤسسة العسكريّة والمجتمع، فور وصول مرسي لرئاسة الجمهوريّة.
4 ـ إسلاميو تركيا، ارسلوا كوادرهم الى مؤسسة الجيش والامن والبوليس والقضاء، تمهيداً لإيصالهم لمناصب عليا، فيما يشبه التحضير المبرمج والطويل الأمد. بينما لا يوجد بين مؤسسة الجيش والأمن المصريّة، موالين لجماعة الإخوان المسلمين.
5 ـ إسلاميو مصر، يمتلكون شبكة من المؤسسات الاقتصاديّة والإعلاميّة، إلاّ أنها لا تصل لقوّة ما يمتلكه إسلاميو تركيا من اقتصاد وإعلام.
6 ـ إسلاميو تركيا، أكثر مرونة، وبراغماتيّة، بينما إسلاميو مصر، أكثر دوغمائيّة وتزمتاً من إسلاميي تركيا.
7 ـ إسلاميو تركيا، أصحاب طموحات، قوميّة إسلاميّة، نيوعثمانيّة، ويمتلكون شبكة علاقات إقليميّة ودوليّة، وتربطهم علاقات اقتصاديّة وتحالفات عسكريّة مع قوى اقليميّة (اسرائيل) ودوليّة (اميركا، روسيا، الصين، الاتحاد الاوروبي). بينما تقتصر طموحات اسلاميي مصر على أسلمة مصر وحسب، مهما كانت الأكلاف.
8 ـ الجانب القومي لاسلاميي تركيا شديد البروز، والمصالحة القوميّة تأتي في رأس سلّم الأولويّات، بحيث يمكن أن يتحالف الاسلاميون مع العلمانيين ضدّ المسألة الكرديّة او الارمنيّة او القبرصيّة، كما نجد أن الإسلاميين الأتراك يسعون إلى تنشيط واستثمار الورقة القوميّة التركمانيّة في العراق وسورية خدمةً لمصالح تركيا. وهذا ما أكّده الخبير في الشؤون التركيّة د. محمد نور الدين في مقاله المنشور بجريدة "السفير" اللبنانيّة يوم 17-12-2012 حيث قال: "تعتبر الأقليات التركمانية في العراق وسورية ولبنان من الأوراق التي تحاول تركيا دائما استخدامها في سياساتها الخارجية، ليس مع حزب العدالة والتنمية فقط بل في العقود السابقة". وأضاف: "وإذا كان وضع التركمان في العراق الأبرز في مراحل سابقة وارتباطه بالوضع في منطقة كركوك، فإن اندلاع الحرب في سورية أظهر الورقة التركمانية التي انعكست في تشكيل كتائب خاصة بالتركمان وإطلاق تسميات عثمانية عليها"، في اشارة منه إلى مؤتمر تركمان سورية المنعقد في 15-12-2012 باسطنبول، وحضره وزير الخارجيّة التركي احمد داود اوغلو وارشاد هورموزلو (تركماني عراقي) كبير مستشاري الرئيس التركي عبدالله غول. وقال داود أوغلو في كلمته الافتتاحيّة للمؤتمر: إن "بلاده تحترم حدودها مع جميع الدول. ولكن عندما يلجأ إليها المظلومون، لا تعترف بالحدود". كما بعث الرئيس التركي عبدالله غول رسالة قرأها كبير مستشاريه ارشاد هورمزلو أكد فيها أن "التركمان السوريين جزء لا يتجزأ من الأمة التركيّة". في حين دعا رئيس البرلمان التركي جميل تشيشك خلال كلمته بالمؤتمر الرئيس السوري الأسد إلى الاستجابة لمطالب الشعب. بينما نجد اسلاميي مصر، قسّموا مصر بين "نحن وهم" – مؤمنين وكفرة - (ثوّار) وفلول النظام البائد!.
9 - ترتكب حكومة اردوغان كل الانتهاكات والموبقات فيما يخصّ حريّة التعبير وتقويض الإعلام ومحاصرته، عبر القوانين، وليس كما يسعى إسلاميو مصر، عبر الترهيب والتهديد والكسر. حيث نقلت وكالة رويترز في تقرير لها أعدّه جوناثان بريتش يوم 19-12-2012 من أنقرة عن منظمة "صحافيون بلا حدود" وصف الاخيرة لتركيا بأنها "أكبر سجن للصحفيين في العالم".
10 - إسلاميو تركيا يجيدون فنون التغلغل في المعارضات الإسلاميّة الإقليميّة، خصوصا السنيّة، بحيث يمكن القول: ان ولاء الاخوان المسلمين في سورية والعراق هو لأنقرة وليس للقاهرة وهي تحت حكم الاخوان، الذين من المفترض ان يكونوا المرجعيّة العربيّة للاخوان المسلمين في العالم. فالاخوان المسلمون الحاكمون في تركيا، نجحوا في السيطرة على نظام الاسد في سورية قبل الثورة السوريّة، وهم الآن يسيطرون على الثورة والمعارضة السوريّة ايضاً. بل قطعوا أشواطاً كبيرة في مسعى أخونة الثورة السورية. بخلاف مصر الذين ما زالوا يفتقرون لثقافة وتجربة ادارة الدولة.
11 - لم يضع اسلاميو تركيا، معاداة اسرائيل نصب أعينهم، وصولاً لقطع العلاقات معها، حين وصلوا للحكم، بالرغم من التحرّش الاعلامي لأنقرة بتل أبيب بعد الحرب الاسرائيليّة على غزّة!.
12 ـ اسلاميو تركيا ومصر، يشتركون في الاجندة، ويختلفون في أدوات واساليب فرض هذه الاجندة، التي ترمي إلى إعادة انتاج الدولة وفق شعار "الاسلام هو الحل".
13 ـ رغم الانقلابات العسكريّة التي شهدتها تركيا (1960- 1971- 1980 -1997)، إلاّ ان الاسلام السياسي التركي، نما في مناخات أكثر ديمقراطيّة من التي شهدتها مصر، طيلة حكم العسكر. ما عزز لديهم الميول المدنيّة، بدلاً من المواجهة الفجّة، وتحريك الشارع، كما فعل اخوان مصر، بخاصّة بعد ثورة 25 يناير ووصول مرسي للرئاسة واعلانه الدستوري وارتجاجات هذا الاعلان المستمرّة حتّى الآن. ذلك ان اسلاميي تركيا كانوا قادرين على تحريك الملايين، حين كان يهددهم خطر العلمانيين. إلاّ انهم لم يفعلوا ذلك، ولم يدخلوا الدولة في أزمة خانقة، مرجّحين المصلحة القوميّة والوطنيّة على المصلحة الحزبيّة الآيديولوجيّة.
كل الحصاد السياسي والقانوني للإسلاميين في تركيا، أتى بطريقة ناعمة وسلسة وطويلة الأمد نسبيّاً. بينما أراد إخوان مصر، إدخال الدولة والشعب والمجتمع والسلطة والقضاء، في معمعة معركة، أرادوا من خلالها حصد المزيد من الخنادق والامتيازات، بشكل عاجل، من دون الأخذ في الحسبان، أن الدولة المصريّة، وفلول النظام العسكري- الأمني، الاقتصادي السابق، (الجيش، المحكمة الدستوريّة،  المخابرات المصريّة،  بقايا الحزب الوطني) لم يبلغوا من الضعف والهشاشة التي تجعلهم يستسلمون أمام معركة الاخوان المسلمين. ذلك أن رحيل الدكتاتور، لا يعني البتّة، زوال الدكتاتوريّة!. زد على ذلك ازدياد حجم المعارضة الاجتماعيّة – السياسيّة لحكم الاخوان، وان المجتمع المصري الذي اطاح بدكتاتوريّة مبارك من الصعب ان يقبل بدكتاتوريّة جديدة تحكمه، حتّى لو كانت باسم الدين.

التعليق