السلفيون اللبنانيون وسط الحرب السورية

تم نشره في الخميس 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • لبنانيون أمام مسجد تعرض للتفجير في مدينة طرابلس اللبنانية مؤخراً - (أرشيفية)

جينيفا عبدو* – (فورين بوليسي)
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ذات مساء مشمس وبارد أخير في مدينة طرابلس اللبنانية الشمالية، أراني الشيخ بلال البارودي، رجل الدين السني السلفي، البقايا المتفحمة لمسجد السلام. وكان الشيخ يعظ هناك يوم 24 آب (أغسطس) عندما انفجرت فيه قنبلة، وقتلت العشرات من المصلين، ولم تترك منه قائماً سوى بضعة جدران.
بينما كان طاقم إنشاءات يعمل بلا كلل في ذلك المساء ليعيد بناء المبنى المدمر، ألقى البارودي باللوم في الهجوم على جماعة محلية من العلويين الذين يدعمون رئيس سورية العلوي بشار الأسد. وقال إنه تم استهداف هذا المسجد –وكذلك مسجد التقوى السلفي في طرابلس، الذي تعرض للتفجير في نفس ذلك اليوم من آب (أغسطس)- لأن جماعتي المصلين في المسجدين تؤيدان الثورة في سورية.
العلويون طائفة أقلية تصلها روابط بنوع التشيع السائد في إيران. وهم يشكلون شريحة صغيرة من سكان لبنان البالغ عددهم 4.4 مليون نسمة. وتبقى نسب السكان الشيعة والسنة في لبنان غير معروفة بدقة، وهي موضع تخمين لأن آخر تعداد رسمي للسكان أجري في لبنان كان في العام 1932.
كان المجتمع العلوي الصغير في طرابلس، ثاني أكثر مدن لبنان أهمية، على خلاف مع السنة المحليين منذ وقت طويل. وبعد وقت قصير من بدء الانتفاضة السورية، اندلعت الاشتباكات في المناطق الجبلية الواقعة إلى الشمال من المدينة، بين حي جبل محسن الذي يهيمن عليه الشيعة، وحي باب التبانة الذي يهيمن عليه السنة.
قال لي الشيخ البارودي في ذلك اليوم: "النظام السوري يريد أن ينقل الصراع إلينا هنا". وبالنسبة إليه، شأنه في ذلك شأن الكثيرين من السنة الآخرين الذين التقيت بهم في هذا الجزء من لبنان، كان القصد من التفجيرين التوأمين لمساجد طرابلس في الصيف الماضي هو تسخين التوترات الطائفية. وقال لي الباردوي إن نظام الأسد كان يحاول تسعير العنف عن طريق إقناع الجماعات الشيعية المحلية بأن السنة يريدون النيل منهم –ثم يقوم بتزويدهم بالمتفجرات وما يلزم.
سواء كان ذلك صحيحاً أم لا، ليس ثمة شك بأن الانقسام الطائفي في لبنان كان يتسع في واقع الأمر. وفي الأسبوعين الأخيرين فقط، ضرب تفجيران السفارة الإيرانية في بيروت، في تفجيرات انتحارية أعلنت المسؤولية عنها كتائب عبد الله عزام، وهي جماعة لبنانية سنية لها روابط مع تنظيم القاعدة.
كما يبدو، أشاع النضال من أجل إزاحة الأسد عقداً اجتماعياً غير مكتوب في أوساط طوائف لبنان الكثيرة. وقد احتفظ البلد بسلام هش بعد حرب أهلية طويلة امتدت من العام 1975 وحتى 1990. واحتلت سورية لبنان من العام 1976 وحتى العام 2005، حين انسحبت فقط بعد ضغط دولي. وكانت لسورية مطالبات طويلة الأمد بلبنان، لأنه كان خلال الحقبة العثمانية جزءاً من سورية الكبرى.
لكن إدامة الاستقرار في ذلك البلد كانت تذهب إلى مزيد من صعوبة باطراد منذ قام حزب الله الشيعي المدعوم من إيران بدعم الأسد بفعالية، مالياً وعسكرياً، بما في ذلك القتال إلى جانب قواته داخل سورية.
تقوم الحرب في البلد المجاور بإلهام الناس بأفكار مشوهة أيضاً. وعلى سبيل المثال، يتهم الباردوي والسلفيون الآخرون الولايات المتحدة بتمكين الشيعة من البقاء في السلطة في سورية. ويشير بعض السلفيين في طرابلس إلى دعوة الرئيس باراك أوباما التاريخية للرئيس الإيراني المنتخب حديثاً حسن روحاني، وكذلك المحادثات الجارية حول برنامج إيران النووي، باعتبارها أدلة على أن حكومة الولايات المتحدة تقوم الآن بدعم إيران في الشرق الأوسط.
وفقاً للبارودي، فإن واشنطن "لم تعد تستطيع أن تخوض الحروب مباشرة"، وهي تحتاج إلى طهران "لتتولى هذا الدور". وليس هناك حليف "أكثر ولاء أو أكثر نجاحاً أو أكثر قوة" من إيران "لإجبار المنطقة على الخضوع، وإضعاف السنة، وابتزاز دول الخليج".
في شهر تشرين الأول (أكتوبر)، في باب التبانة، شكا شيخ سلفي –رغب عدم ذكر اسمه خوفاً على سلامته- من أن حكومة الولايات المتحدة أصبحت أقل انتقاداً لحزب الله بسبب تدفئة علاقاتها مع إيران، في الوقت الذي لم تتردد فيه في إدانة المتطرفين السنة. ولم يعلق الشيخ عندما ذكرته بأن واشنطن تعتبر حزب الله منظمة إرهابية.
تمارس مثل هذه التصورات الخاطئة تأثيراً يدفع إلى التطرف في لبنان. ويعتقد العديد من الأكاديميين والصحفيين والمسؤولين اللبنانيين الذين تحدثت إليهم على مدار السنة الماضية بأن إبراز التطرف هو ما أمل به الأسد بالتحديد: إنه يعزز الحجة القائلة بأن نظامه، بغض النظر عن مدى وحشيته، يظل خياراً أفضل من أي حكومة يقودها السنة.
في هذا الصدد، قال لي علي أمين، الصحفي في صحيفة البلد التي تصدر في بيروت والخبير في الشؤون الطائفية: "يريد الأسد أن يجعل الثورة السورية لا تبدو على أنها ثورة شعب ضد نظامه، وإنما هي صراع شيعي سني".
إذا كانت هذه هي استراتيجية الأسد فعلاً، فيبدو أنها تعمل جيداً. ويبدو في الآونة الأخيرة أن الحكومات الغربية، مثلها مثل روسيا وإيران، أصبحت تهرول في اتجاه الحفاظ على الاستقرار في المنطقة عن طريق التفاوض على تسوية مع الأسد، والتي ستترك نظامه قائماً دون أن يُمس.
بعض السنة في لبنان، الذين يتصورون أن حكومة الولايات المتحدة تقر بالحالة الراهنة في سورية، يشعرون بالتهديد، وهم يستعدون باطراد لحمل السلاح والقتال من أجل بقائهم. ويمكن لمثل هذه المشاعر من الغضب والإحباط أن تكون المحرك وراء الهجوم الذي شُن أخيراً على السفارة الإيرانية، واندلاع عنف مستقبلي في داخل لبنان، وهو ما سيضع نهاية لعقد لبنان الاجتماعي الهش بلا شك.
أحد تداعيات هذا التقدير –مهما كان مضللاً- هي أنه بينما يمكن أن يفضي التقدم باتجاه عقد صفقة حول برنامج إيران النووي إلى تهدئة العقول في الغرب، فإنه يمكن أن يضرب على أعصاب الكثير من السنة في الشرق الأوسط. ويبقى موطن خشيتهم هو نفوذ الشيعة المتصاعد، حيث تتولى إيران رعايتهم وحمايتهم.
بينما تتصاعد التصورات حول تزايد النفوذ الإيراني في أوساط السنة، يصبح من الواجب على الولايات المتحدة أن ترسل إشارة إلى المنطقة، تفيد بأنها ليست طرفاً في الصراع الطائفي الذي سيستمر في المنطقة بالتأكيد.

*زميلة في معهد بروكينغز وبرنامج الشرق الأوسط في مركز ستمسون، وهي مؤلفة كتاب "الطائفية الجديدة: الثورات العربية والقسمة الشيعية-السنية".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Lebanese Salafis amidst Syria's war

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المخططات الاستعمارية (هاني سعيد)

    الخميس 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    قد يتبادر الى الذهن ان زمن الاستعمار الذي تحدث عنه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قد انتهى ولم يعد له وجود وان الدول قد استقلت ولكن في الحقيقة دخل الاستعمار هذه المرة من الشباك وجلس جنبا الى جنب على الطاولة الذي ترسم السياسات وتحدد مصير بلاد وعرف هذه المرة كيف يعمل وباقل الخسائر وبحجج واهية انطلت على كثير من معصوبي الاعين في المنطقة سواء بقصد او بغير قصد فبات الوضع مزريا وعرف من اين تؤكل الكتف فاشعل المنطقة واججهها وترك بعض منها تمور بالفتن والحروب الداخلية الذي لا ولن تجد حلا لها على الرغم من مضي سنين طويلة على هذا الوضع ، استغل الدين واللحى الطويلة والخلافات بيت الاطياف المختلفة والفقر والجهل كانوا مسخرين لذلك الهدف الخبيث اضافة الى جماعات كانت على استعداد ان تتعاون مع اسيادها فزرعوا الرعب في اماكن واشاعوا الفتن في اماكن اخرى وخوفوا مناطق كانت آمنة يعيش اهلها بسلام فاشعروهم ان المال نقمة عليهم رغم انه نعمة من نعم الله عليهم فاخذتهم العنجهية والتعالى والمال فمشوا بنفس الركب وضاعت كل مقدرات شعوب المنطقة هباء منثورا - والله المستعان فهل يبعث الله في كل مائة عام من ينقذ هذه الامة كما عرفنا في الروايات