"طعم العسل": رحلة الاندماج في العالم الجديد

تم نشره في الثلاثاء 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • مشهد من الفيلم - (أرشيفية)

إسراء الردايدة

عمان- "طعم العسل"، قد يوحي هذا العنوان بقصة رومانسية وحتى مغامرة ولكنه في الحقيقة يروي واقعا مريرا لرجل طاعن في السن عاش مرارة الحرب والاضطهاد لينتقل في خريف عمره إلى عالم جديد بحثا عن حياة أكثر أمنا، بتوقيع المخرج السوري الكردي مانو خليل.
ومن خلال تصوير حياة الكردي إبراهيم كيزر، الذي طلب اللجوء لسويسرا بسبب تهديد القوات التركية لحياته كونه كرديا، وبسبب فقدان أرضه وماله وعدد من أولاده، يتناول المخرج خليل كيف يتعايش هذا  الرجل مع مجتمع غريب لا يجيد لغته فيما يسعى لممارسة شغفه بتربية النحل.
كيزر، الذي امتهن تربية النحل منذ نعومة أظفاره وأسس عملا في تركيا حيث كان يعيش، يضطر في حياته الجديدة لممارسة مهنته كهواية فيما يلقي بظلال حياته على تفاعله مع النحل فيبدو واحدا منها، خلال رحلة أسبوعية يقوم بها الى جبال الألب حيث وزع بعضا من بيوت النحل "الخلايا" في مساحة خضراء من الطبيعة ويقوم بجمعها وتناول وجباته بينها وقضاء نهاية الأسبوع معها مستمتعا.
ويتناول خليل طبيعة وآلية اندماج المهاجرين مع المجتمع في سويسرا وتفاعلهم مع حواجز اللغة واكتساب الصداقات والتكيف مع عادات جديدة والقوانين التي يتوجب عليهم العيش بها كمهاجرين أو لاجئين، فمن بيت واسع في الطبيعة ينتقل لغرفة ضيقة ومن أسرة ممتدة يعيش وحيدا  غريبا فيجد الحنان والمحبة في عائلة شابة يعاملها كأبنائه ويدلل طفلتهما وكأنها منه لتنعكس مشاعر الحنان والحرمان العاطفي وتتحول لشغف بالطفلة الصغيرة والنحل.
تلك التفاصيل الدقيقة التي يعيشها كيزر في عالمه الجديد البسيط، وهي ربما طبيعة الحياة في سويسرا كما أظهرها الفيلم، الذي عرض في إطار الدورة الثانية من أيام مهرجان الخليج في الهيئة الملكية للأفلام أول من أمس، جاءت بدون أي مؤثرات خاصة سوى الأصوات المحيطة.
ويلتقط الفيلم تلك الجوانب الإنسانية في صعوبات التواصل بسبب حاجز اللغة والانجبار على ممارسة عادادت مختلفة وتغيير الحياة، خصوصا لمن هم في عمر إبراهيم كيزر الذي امتلك سابقا ما لا يقل عن 500 مستعمرة من النحل وأدار عمله الخاص بأرباح طائلة ليتحول اليوم الى عامل تغليف في مصنع للسكاكر ليندمج في المجتمع الجديد.
تعامل كيزر في مكانه الجديد هو رحلة اكتشاف الذات لا تخلو من أوجاع الهجرة وفقدان الأبناء فيبدو في مشاهد وكأنه طفل صغير انطلق إلى البرية فيظهر على ذاته فرحا وتارة نراه رجلا كهلا أنهكته المشاكل والألم ليقلب صفحات الحياة كما هي بهدوء.
وهذا الفيلم ليس الأول للمخرج مانو خليل الذي سبق وقدم في العام 2010 فيلم "حديقتنا في جنة عدن"، والذي يدور حول تعدد الثقافات في سويسرا من خلال أشخاص يحاولون خلق عالمهم المصغر في أرض جديدة ويمارسوا الزراعة في منطقة برن السويسرية، وهي تعرف بالحدائق المصغرة التي توزع على أفراد ليستفيدوا من محصولها مقابل أجر زهيد وهي "حدائق شريبر"، حيث يلجأ إليها السكان للاسترخاء وممارسة أنشطة الزراعة في الهواء الطلق.
في فيلمه أبرز المخرج التعايش السلمي بين أشخاص ينتمون لجنسيات وأعراق وثقافات مختلفة، علما أن المخرج نفسه هرب من سورية الى سويسرا في العام 1993.
كما قدم المخرج الكردي السوري عددا من الأفلام الوثائقية منها فيلم "دافيد تولهيلدان" من العام 2006 والذي يتناول قضية الحدود التي تفصل بين الإرهاب والنضال ضد الديكاتورية والاحتلال وكيف تتعامل الدول المتقدمة والإعلام مع صفة الإرهابي والمنظمات التي تخوض نضالا شرعيا ضد الأنظمة الديكتاتورية، وكان هذا الفيلم قد واجه مشاكل لمنع عرضه من قبل تركيا؛ فهو يحكي قصة شاب سويسري ترك حياته وانضم للمقاتلين الأكراد في كردستان تركيا.
كما قدم المخرج أيضا سلسلة من ثلاثة أفلام وثائقية عن الأنفال، صورها للتلفزيون السويسري وهي "الأنفال، بسم الله والبعث وصدام" وفيلم "زنزانتي بيتي"، وأخرهم فيلم "الأنفال، شظايا من الحياة والموت"، وتتناول عمليات الأنفال التي قام بها النظام البعثي العراقي ضد الشعب الكردي في كردستان العراق في العام 1988 وفي الأعوام التي تلتها، كما أخرج فيلم "انتصار جديد" من العام 1998.
أما فيلمه "طعم العسل" أو DER IMKER، فهو من إنتاج العام الحالي  فنال جوائز دولية؛ منها جائزة أفضل فيلم وثائقي كردي في مهرجان دهوك السينمائي الدولي وجائزة سولوتورن في أيام فيلم سولوتورن في سويسرا وجائزة فيكتور دوك في مهرجان ميونيخ للأفلام الوثائقية.

التعليق