الإهمال الأميركي لليبيا يزيد من تفاقم الفوضى هناك

تم نشره في السبت 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 02:00 صباحاً

ديفيد إغناتيوس — (الواشنطن بوست)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
كحالة دراسة للبحث في أسباب تراجع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، تأمل مثال ليبيا. ربما كان يمكن لاتخاذ بعض الخطوات البسيطة في العامين الماضيين أن يحدّ من حدة انحدار ذلك البلد نحو الفوضى السياسية. لكن ليبيا أصبحت شديدة السُمّية بعد هجوم بنغازي، حتى أن الولايات المتحدة أصبحت بطيئة في تقديم المساعدة لذلك البلد بعده.
عندما زار رئيس الوزراء الليبي علي زيدان، واشنطن في آذار (مارس) الماضي، تقدم بطلب مباشر: كان يحتاج إلى مساعدة أميركية في تدريب "قوة متعددة الغايات"، والتي تستطيع حماية المسؤولين في الحكومة المنتخبة بطريقة ديمقراطية بالإضافة إلى تأمين الخدمات الأساسية في ليبيا. وبين أنه من دون هذه الحماية، لا يستطيع مسؤولو الحكومة التنقل بأمان في أنحاء البلاد للقيام بعملهم.
يجب أن لا تحتاج مساعدة ليبيا إلى تفكير. فقد أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو بلايين الدولارات من أجل الإطاحة بالعقيد معمر القذافي في العام 2011، ولديها استثمار كبير في خلق دولة آمنة هناك. لكن ليبيا آلت بدلاً من ذلك إلى دولة ميليشيات ينعدم فيها القانون -حتى أن حكومة زيدان لا تستطيع عقد اجتماعاتها بأمان. وكان ينبغي على الولايات المتحدة الشروع في تدريب القوات الأمنية مباشرة بعد الإطاحة بالقذافي. كل يوم من التأخير يشكل خطأ.
كانت إدارة الرئيس أوباما قد أقرت، من حيث المبدأ، خطة لتدريب 6000 إلى 8000 ليبي خارج البلد. لكن الأوضاع في طرابلس تتسم بالفوضوية إلى درجة أن الليبيين لم يتقدموا بعد بطلب رسمي للحصول على هذه المساعدة. ويقول المسؤولون الأميركيون أنها لن تبدأ حتى حلول الربيع، على أقل تقدير.
إلى ذلك، ذكر أن الرئيس أوباما قال خلال اجتماع للمجلس الوزاري هذا الشهر "إننا لا نقوم بما فيه الكفاية" فيما تتنامى الفوضى في ليبيا، وأنه يريد "المسارعة" إلى المساعدة، وفق مسؤول رفيع في الإدارة. ذلك جيد —أن تأتي متأخراً أفضل من أن لا تأتي أبداً- لكن السؤال يظل مفتوحاً حول ما إذا كان الكونغرس سيسمح لأوباما بفعل ما يلزم.
يستحق أعضاء الكونغرس الجمهوريون الكثير من اللوم. فقد شن الأعضاء الجمهوريون أكثر من عام من الهجمات شبه الهستيرية على مزاعم بحالات فشل وتغطية تتعلق بالهجوم الذي شُن يوم 11 أيلول (سبتمبر) من العام 2012 على المجمع الأميركي في بنغازي، والذي أفضى إلى مقتل أربعة أميركيين. وكان للاصطياد والتخمين الجمهوري الناتج الحتمي الحالي: لا أحد يريد خوض غمار مجازفة أخرى في بنغازي، حيث تكدس الدبلوماسيون الأميركيون في السفارة في طرابلس بلا حراك، وحيث ذهبت السياسة المتعلقة بليبيا إلى التجميد العميق.
فيما يلي شرح لكيفية تكون الرهاب الليبية: عندما بدأت وزارة الأمن الداخلي مؤخراً صياغة ترتيب يسمح للطلبة والعمال الليبيين بالقدوم إلى الولايات المتحدة للتعلم والتدريب، أرغى رئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب الأميركي، بوب غودلات، وأزبد وقال إنه "مما يبعث على الصدمة أن تغض إدارة أوباما الطرف عن التهديدات الإرهابية التي توجد في ليبيا اليوم". كما دانت النائبة جاسون شافيز (جمهورية عن أوتا) الإجراء باعتباره "غير معقول".
كان الشيء الذي استمر في الفراغ الليبي هو العمليات السرية الأميركية لمكافحة الإرهاب. وبلغت هذه العمليات الذروة يوم الخامس من تشرين الأول (أكتوبر)، في الغارة التي تم خلالها انتزاع متشدد القاعدة "ابو أنس الليبي" من طرابلس واقتياده إلى نيويورك حيث يمثل أمام المحكمة بتهم تتعلق بالهجومين اللذين نفذا ضد السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا. وكانت هذه عملية تستحق الإطراء، لكن مكافحة الإرهاب ليس مصلحة أميركا الوحيدة في ليبيا.
لقد أفرزت الغارة ضربة ارتدادية محرجة: فقد قام رجال ميليشيات غاضبين باختطاف علي زيدان، رئيس الوزراء المؤيد لأميركا، من الفندق الذي كان يقيم فيه في طرابلس، واحتجزوه لساعات قبل أن يفرج عنه المسلحون، لأنهم لم يريدوا خوض قتال مع عصابات مسلحة أخرى لغاية السيطرة على الرهينة. وقال زيدان إنه لم يصادق على العملية الأميركية في بنغازي، لكن تغطيته للنفي ضعفت عندما أصر وزير الخارجية الأميركية جون كيري على القول بأن العملية كانت "قانونية ومناسبة" موحيا بأنها نالت التأييد الرسمي الليبي.
يتشكل فهمي للوضع في ليبيا باستلهام دنكان بيار، أحد طلبتي في كلية هارفارد كينيدي في العام 2012، والذي كان قد أمضى العام الماضي في طرابلس يدرس الإصلاح الدستوري لصالح منظمة ألمانية غير حكومية. وكان قد أشار في كانون الأول (ديسمبر) إلى أنه من المحتم أن يتم تدريب القوات الأمنية الليبية على يد القوات الأميركية بغية حماية المؤسسات الحكومية. وبعد عام تقريباً من ذلك، ما نزال ننتظر.
 يقول كريم ميزران، عالم السياسة الليبي والزميل الرفيع في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في المجلس الأطلسي: "إننا نشاهد حكومة لا تقوى على الدفاع عن نفسها". ويضيف أن الوضع في بلده هش كثيراً لدرجة أن الناتو قد يضطر إلى إرسال قواته الأمنية الخاصة للحفاظ على النظام حتى يكون برنامج التدريب الذي طال أمد انتظاره جاهزاً.
ما يزال النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط يتداعى للعديد من المسوغات. بعضها، مثل توجس أميركا بعد عقد من الحرب أو الصعوبة في وقف القتل الطائفي في سورية، ليس قابلاً لإصلاحه بسرعة. أما في حالة ليبيا، فإنه لا عذر لنا في أن نجلس على أيدينا، نتأمل بنغازي بينما ينحدر البلد إلى قاع الهاوية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 U.S inattention to Libya breeds chaos

التعليق