الفيلم الياباني "راشومون" في شومان اليوم

تم نشره في الثلاثاء 29 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 02:00 صباحاً
  • مشهد من الفيلم - (من المصدر)

عمان-الغد- يعد فيلم "راشومون" أو "داخل الغابة" أكثر الأفلام اليابانية شهرة في السينما العالمية حتى الآن، وهو في الأساس اقتباس عن قصة قصيرة حولها إلى سيناريو الكاتب شينوبو هاشيمونو.
تجري أحداث الفيلم في فترة القرون الوسطى وفي زمن سادت فيه الحروب الأهلية والمجاعات. وتبدأ الأحداث في ليلة ممطرة في غابة وأمام بوابة معبد مهجور ومتهدم، يحتمي تحتها من المطر ثلاثة رجال التقوا صدفة: حطاب وخادم وراهب بوذي.
ويبدي الحطاب أثناء انتظار توقف هطول المطر شعوره بالقلق والانزعاج بسبب حادثة جريمة حصلت قبل فترة. ثم انه يصف هذا الحادث للجالسين معه. فقد قامت الشرطة باعتقال قاطع طريق بعد اتهامه بقتل أحد النبلاء واغتصاب زوجته أثناء مرورهما في الغابة.
وهنا يلعب المخرج وكاتب السيناريو اللعبة الدرامية التي سحرت المشاهدين وأثارت حماس النقاد بوصفها نوعا من التجديد في طرائق السرد، والتي أعطت لإعادة تجسيد الحادثة دلالات فلسفية وإنسانية عميقة. فالفيلم يستعيد حكاية الحادثة من خلال الأقوال التي أدلى بها الأطراف الثلاثة المشاركين في الحادثة: قاطع الطريق والزوجة والنبيل القتيل الذي أدلى بالشهادة بعد عملية استحضار لروحه. وكل من أولئك الثلاثة يعيد رواية الحادثة بطريقة مختلفة ومن زاويته الخاصة ووفقا لمصلحته. يروي قاطع الطريق كيف تغلب على النبيل ثم قيده بالحبال ثم استجاب للزوجة التي أعجبت به وطلبت منه أن يقتل زوجها ففك حباله وتبارز معه وقتله.
وتروي الزوجة الحادثة من وجهة نظرها فتذكر أن قاطع الطريق قام بتقييد زوجها ثم اغتصبها ولاذ بالفرار. أما هي ففكت قيود زوجها وبعد ذلك أغمي عليها وعندما أفاقت اكتشفت أن زوجها قد انتحر. ويروي الزوج القتيل الحادثة عبر وسيط استحضر روحه. ونجد نفسنا هنا أمام رواية جديدة للحادثة تعكس الاعتداد الذاتي عند هذا النبيل. وهكذا فهو يؤكد أن الزوجة هي التي طلبت من قاطع الطريق أن يقتله، غير أن الأخير رفض ذلك، عندها لاذت الزوجة بالفرار في حين أن النبيل اقدم على الانتحار.
بعد هذه الروايات الثلاث المختلفة عن الحادثة نكتشف أن الحطاب كان مارا في الغابة أثناء الحادثة وشهد وقائعها وعنده رواية رابعة. ولكن روايته تعكس أيضا مصلحة ذاتية حيث انه أراد أن يخفي حقيقة انه هو الذي سرق أداة الجريمة، أي الخنجر الذي استخدمه قاطع الطريق.
بعد هذه الرواية الأخيرة للحادث يأتي مشهد النهاية إذ يتناهى إلى مسامع الجالسين فجأة صوت بكاء طفل رضيع مهجور ملقى في مهده قرب البوابة فيقرر الحطاب أن يعتني به ويتبناه بما يدل على عودة الأمل بوجود المشاعر الإنسانية.
يتميز كل فصل من فصول فيلم "راشومون" بأسلوبه الإخراجي الخاص وبخاصة من حيث استخدام الإضاءة ودرجات الأبيض والأسود. ولكن الفصول الأربعة جميعها ترسم أجواء مميزة تضفي إثارة خاصة على تلك الحادثة التي جرت في الغابة.
وتميز استخدام كيروساوا للموسيقى في فيلمه بجرأة خاصة، فبرغم الطابع الياباني الواضح للفيلم فإن الموسيقى فيه لم تكن يابانية خالصة بل استفادت من الموسيقى الغربية وبخاصة من لحن "البوليرو" الشهير للموسيقار رافائيل.
ومن الأمور التي أثارت الإعجاب في هذا الفيلم أداء الممثلين المعبر والمميز والمستند إلى التقاليد اليابانية في التمثيل والمختلفة عن التقاليد الغربية.
أما السؤال الفلسفي الذي يطرحه الفيلم فهو: أين الحقيقة؟ فالفيلم يتضمن أربع حقائق ولا نعرف أبدا أي منها هي الحقيقة الخالصة. وهذه الطريقة في رواية الحدث والتي استخدمها كيروساوا في فيلمه كانت جديدة ومبتكرة في ذلك الحين ومن ثم أصبح استخدامها شائعا في العديد من الأفلام .
ومن طرائف الأمور أن المخرج قد تفاجأ عندما فاز فيلمه بجائزة الأسد الذهبي لمهرجان البندقية السينمائي. وصرح في مقابلة صحافية انه يتمنى لو أن الفيلم الفائز كان يتحدث عن الحياة المعاصرة في اليابان. لكن النقاد الأوروبيين اعتبروا أن الفيلم معاصر جدا بسبب طريقة معالجته لمادته وبخاصة أن الفيلم لا يقدم الشخصيات اليابانية التقليدية من منظور تراثي أسطوري بل يقدمها على حقيقتها. وينطبق هذا بخاصة على شخصية الساموراي / قاطع الطريق.
فيلم "راشومون" لا يزال حتى الآن يعرض بنجاح في نوادي السينما في العالم ويتم تدريسه في معاهد السينما كنموذج على الفيلم العبقري الذي تزداد قيمته مع مرور الزمن.

التعليق