مدير عام صندوق النقد الدولي تكشف في مقابلة مع "الغد"أن الصندوق مستعد لإرسال وفد إلى مصر للوصول لتفاهمات

لاغارد: الاقتصاد الأردني على المسار الصحيح

تم نشره في الأربعاء 9 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 صباحاً
  • بورتريه لمدير عام صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد بريشة الزميل احسان حلمي

يوسف محمد ضمرة
واشنطن- قالت مدير عام صندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، إنه "برغم تحديات البيئة الخارجية، فما يزال أداء الاقتصاد الأردني على المسار الصحيح".
وبينت لاغارد، في مقابلة خاصة مع "الغد"، أن "السلطات الأردنية تقرّ بالأهمية البالغة لمواصلة العمل من أجل تحقيق النمو المستمر والشامل لكل المواطنين، ولذلك فهي تطبق إصلاحات هيكلية تهدف إلى تخفيض البطالة وزيادة النمو".
وبينت لاغارد، في المقابلة التي يتم نشرها قبل ساعات من التئام الاجتماعات السنوية للصندوق في واشنطن، الذي يعد الحدث الاقتصادي العالمي الأبرز حيث يشارك فيه آلاف من الاقتصاديين، ويحضره وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية حول العالم، أن صندوق النقد الدولي مشارك بدرجة كبيرة في الجهود التي يبذلها الأردن وقالت "حريصون على رؤية اقتصاد الأردن مستقرا ومزدهرا".
واعتبرت لاغارد أن "تحرير أسعار المحروقات خطوة مهمة أوجدت آلية شفافة لتسعير المحروقات، وخففت عبء دعم الوقود عن موازنة الحكومة المركزية. والمهم أن الحكومة بدأت في نفس الوقت تقديم تحويلات نقدية كبيرة لمساعدة الفئات ذات الدخل المتوسط والمنخفض على تحمل أثر تحرير الأسعار".
وحول المراجعة الثانية لأداء الاقتصاد الوطني والدفعة الثانية، قالت لاغارد "فيما يخص الدعم المالي من الصندوق، هناك مناقشات جارية مع السلطات في سياق التقدم الذي يشهده تنفيذ البرنامج الاقتصادي. وتعتزم الحكومة مواصلة تنفيذ السياسات التي تكفل تحقيق أهداف البرنامج المتمثلة في ضبط حسابات المالية العامة، والحفاظ على مستوى ملائم من الاحتياطيات، وتعزيز النمو. ونحن ندعم جهودها في هذه المجالات دعما كاملا".  
وطبق الأردن بالتعاون مع صندوق النقد الدولي منذ العام الماضي برنامجا للإصلاح الاقتصادي.
واعتبرت "مبادرة تشغيل الأردنيين" خطوة مهمة لمساعدة الشباب، سواء أصحاب المهارات أم الذين يفتقرون إليها، في الحصول على فرص عمل من خلال مزيج من التدريب للعمالة والحوافز لأصحاب العمل، وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة. كذلك تركز الحكومة على زيادة التمويل المتاح لأصحاب المشروعات من خلال تحسين الإطار القانوني وتعزيز الشفافية".   
وكشفت لاغارد عن استعداد الصندوق لإرسال فريق إلى القاهرة في أقرب وقت ترغب فيه السلطات المصرية للمضي قدما في الوصول لتفاهم مشترك للحالة الاقتصادية الراهنة.
 وأشارت إلى إمكانية مناقشة حزمة من السياسات الاقتصادية التي من شأنها أن تؤدي الى اجراء تحسين في حياة كل المصريين.
ويعد موقف لاغارد تحولا جديدا من الصندوق، والأقوى؛ حيث سبق أن رهن "الصندوق" عودة المفاوضات بتحقق الظروف المواتية والتي كانت في تصريحات سابقة لها في 25 من آب (أغسطس) الماضي.
ووصفت لاغارد أن الإغلاق الجزئي للحكومة الأميركية هو أمر "سيئ بحد ذاته"، وحثت الولايات المتحدة على رفع سقف الدين، وهو موقف جديد في خضم الوضع الراهن، قائلة إن "الفشل في رفع سقف الدين سيكون أسوأ بكثير، ويمكن أن يلحق ضررا بالغا جدا ليس فقط على الاقتصاد الأميركي، بل وعلى الاقتصاد العالمي بأسره".
وحول مسألة النمو في الاقتصاد العالمي، بينت أنه "رغم أن الانخفاض يظل السمة الغالبة على آفاق الاقتصاد العالمي، فقد بدأنا نشهد بوادر التعافي الاقتصادي، لاسيما في بعض الاقتصادات المتقدمة. لكن من الواضح أن دعم النمو يتطلب مزيدا من الجهود ويقتضي خلق فرص العمل وتخفيض الديون".
غير أن لاغارد اعتبرت ان التعافي الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ما يزال ضعيفا، لأنه أقل بكثير عن المعدلات المطلوبة لتخفيض مستوى البطالة المرتفع وتحسين مستويات المعيشة، وهما أكبر مصدرين للقلق بالنسبة للصندوق.
وتابعت قائلة "إن التحول الاقتصادي في المنطقة متداخل بعمق مع التحول الاجتماعي والسياسي، وهو يواجه تحديات متزايدة. وبطبيعة الحال، يؤدي الصراع في سورية إلى زيادة عدم اليقين في كل أنحاء المنطقة، فضلا عن الخسائر البشرية الفادحة بين المواطنين السوريين والانعكاسات السلبية على البلدان المجاورة مثل الأردن".  
 وحول قيام بعض الحكومات باتخاذ "النقد الدولي" ذريعة لاتخاذ قرارات صعبة، قالت لاغارد "ليس من السهل في أي مكان، سواء بمساعدة الصندوق أو بغير مساعدته، أن تُتخذ إجراءات تصحيحية صعبة وهو يمر بفترة من الهبوط الاقتصادي أو في خضم أزمة. والمساعدة المالية التي يقدمها الصندوق تعطي الحكومة فرصة لالتقاط الأنفاس حتى تعالج القضايا الرئيسية بما يساهم في تحقيق التعافي الاقتصادي. والحكومة تصمم وتقترح برنامجا اقتصاديا لتحقيق ذلك". وبينت أن الصندوق واعتمادا على خبرته الواسعة والطويلة، يقدم النصح ويتشاور مع السلطات في تصميم البرنامج حتى يكون واقعيا وقابلا للاستمرار، ثم يحظى بدعم البلدان الأعضاء في نهاية المطاف. ولكن البرنامج يظل في النهاية ملكا للحكومة التي وضعته، وفيما يلي نص المقابلة:

• هل ما يزال الاقتصاد العالمي يتحرك بسرعات مختلفة في اتجاه النمو؟ وما هي توقعاتكم للنمو العالمي؟ وهل تعتقدون أن الاقتصاد العالمي يحتاج إلى عام آخر من السياسات النقدية غير التقليدية حتى يتمكن من دعم التعافي العالمي؟
- رغم أن الانخفاض يظل السمة الغالبة على آفاق الاقتصاد العالمي، فقد بدأنا نشهد بوادر التعافي الاقتصادي، لا سيما في بعض الاقتصادات المتقدمة. لكن من الواضح أن دعم النمو يتطلب مزيدا من الجهود ويقتضي خلق فرص العمل وتخفيض الديون.
وعلى المستوى العالمي، نمر حاليا بفترة تحول؛ من الركود إلى التعافي. وقد وصفت هذه الفترة بأنها “التحول الكبير”. وفي عالمنا الذي تتزايد فيه الروابط المتبادلة، ينبغي أن تدار هذه العملية بكفاءة، مع تطبيق السياسات الملائمة ومراعاة التعاون على المستوى الدولي. إنه تحول سيظل مستمرا معنا لبعض الوقت.
أما عن السياسات النقدية غير التقليدية التي تطبق منذ عدة سنوات، خاصة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا واليابان، فنحن نعتقد أنها ساعدت كثيرا في إعادة الاقتصاد العالمي إلى مسار التعافي. وسوف يلزم العودة إلى سياسات أكثر تقليدية بمرور الوقت. وكما قلنا دائما، سيكون من المهم أن يحدث هذا بشكل منظم يرتبط بوتيرة التعافي وتوظيف العمالة، وأن يتم الإعلام به على نحو واضح وفي إطار الحوار مع الآخرين.
• ماذا عن المأزق السياسي في الولايات المتحدة بشأن سقف الديون والميزانية؟ وما تأثير هذا على الاقتصاد العالمي؟
- حالة عدم اليقين السياسي الدائرة حول الموازنة وسقف الدين لا تساعد. وإغلاق الحكومة سيئ بحد ذاته، ولكن الفشل في رفع سقف الدين سيكون أسوأ بكثير، ويمكن أن يلحق ضررا بالغا جدا ليس فقط على الاقتصاد الأميركي، ولكن على الاقتصاد العالمي بأسره. كما قلت، “المهمة الحرجة” هي أن يتم حل هذا الأمر في أقرب وقت ممكن.
• أبديتم ترحيبكم بنتائج قمة مجموعة العشرين التي عقدت في مطلع أيلول (سبتمبر) الماضي في مدينة سانت بيترسبرغ. واليوم، بعد مرور خمس سنوات على بداية الأزمة المالية العالمية مع انهيار بنك “ليمان براذرز”، هل ما يزال من الممكن تحقيق النمو القابل للاستمرار وإتاحة الفرص المطلوبة؟ ما هو المطلوب لتحقيق ذلك؟
- تم تحقيق تقدم في المجالات الأساسية خلال الخمس سنوات الماضية. لكن الأمر يتطلب مزيدا من الجهود للحفاظ على النمو وخلق فرص العمل وضمان وجود قطاع مالي سليم. ولا يوجد حل واحد يناسب الجميع. فعلى كل بلد أن يتخذ الإجراءات المناسبة لظروفه.
ففي الولايات المتحدة واليابان، على سبيل المثال، ينبغي أن يكون التركيز على سياسة المالية العامة؛ بينما ينبغي أن تركز أوروبا على القطاع المالي، وأن تركز بعض بلدان الأسواق الصاعدة على الإصلاحات الهيكلية. وفي البلدان منخفضة الدخل، ينبغي التوسع في النطاق الذي يشمله النمو من خلال الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية والتمويل.
ويستطيع الصندوق القيام بدور رئيسي بإتاحة منبر ينطلق منه التعاون العالمي، ودعم بلدان الأعضاء بالموارد المالية والتحليل الاقتصادي والمساعدة الفنية.
• وماذا عن البلدان العربية في الشرق الأوسط؟ كيف ترون آفاق النمو في المنطقة؟
- ما يزال التعافي الاقتصادي ضعيفا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فالنمو أقل كثيرا عن المعدلات المطلوبة لتخفيض مستوى البطالة المرتفع وتحسين مستويات المعيشة – وهما أكبر مصدرين للقلق بالنسبة لنا. والتحول الاقتصادي في المنطقة متداخل بعمق مع التحول الاجتماعي والسياسي، وهو يواجه تحديات متزايدة. وبطبيعة الحال، يؤدي الصراع في سوريا إلى زيادة عدم اليقين في كل أنحاء المنطقة، فضلا عن الخسائر البشرية الفادحة بين المواطنين السوريين والانعكاسات السلبية على البلدان المجاورة مثل الأردن.
وينبغي أن يساعد المجتمع الدولي بلدان المنطقة في خلق فرص العمل، ودعم الإصلاحات الاقتصادية اللازمة. ويعني هذا التخلص من المصالح الخاصة لفتح الطريق أمام أنشطة القطاع الخاص. ويعني أيضا تخفيض عجز المالية العامة الذي يتراوح بين 5 و15 % من إجمالي الناتج المحلي عبر بلدان المنطقة. لكنه يجب أن يتحقق بالوتيرة الصحيحة وبدعم من التمويل الخارجي لتخفيف المشاق التي تواجه المواطن العادي. وما يزال الصندوق مشاركا نشطا مع بلدان المنطقة لمساعدتها في إدارة هذا التحول المعقد والمحاط بكثير من التحديات. وقد تشاركنا مع الأردن والمغرب وتونس من خلال ترتيبات التمويل، ونُجري حاليا مناقشات مع اليمن، ومستعدون لتقديم المشورة بشأن السياسات وتوفير المساعدة الفنية لمساعدة البلدان الأخرى.
• يقوم الأردن بتنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، والظروف المالية صعبة في المملكة بوجه عام نظرا للصدمات الخارجية الراهنة مثل انقطاع الإمدادات من مصر وتدفق اللاجئين السوريين. إلى أي مدى يستطيع الصندوق المساعدة؟ وما الأدوات الأخرى المتوفرة لديه بخلاف القرض الذي يبلغ 2 مليار دولار؟
- الحكومة الأردنية اعتمدت برنامجا وطنيا للإصلاح في أيار (مايو) 2012، والصندوق يدعمه ماليا لمدة ثلاث سنوات. ووُضع هذا البرنامج لمواجهة الصدمات الخارجية السلبية، بما في ذلك الانقطاعات في إمدادات الغاز المصري، وعدم الاستقرار العام في المنطقة، وارتفاع أسعار النفط.
وقد اتخذت الحكومة تدابير ملموسة لاستعادة سياسات المالية العامة والطاقة إلى مسار قابل للاستمرار، مع تقديم الدعم لشرائح السكان محدودة الدخل. وبالنظر إلى الفترة المقبلة، تعهدت السلطات بمواصلة إجراءات التصحيح والإصلاح، لا سيما في مجال الطاقة.
ويهدف البرنامج الاقتصادي للحكومة إلى تعزيز آفاق النمو في الأردن خلال هذه الفترة العصيبة بشكل خاص. وبخلاف الدعم المالي، يقدم الصندوق للسلطات الأردنية خبرته ومشورته، كما يقدم مساعداته الفنية في مجالات إدارة المالية العامة، والسياسة الضريبية وإدارة الضرائب، والتنظيم والرقابة في القطاع المالي، والإحصاءات. وهكذا تجد أننا مشاركون بدرجة كبيرة في الجهود التي يبذلها الأردن وحريصون على رؤية اقتصاد المملكة مستقرا ومزدهرا.
• ما هو تقييمكم للإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأردنية، وأعني بذلك تحرير أسعار المحروقات في تشرين الثاني (نوفمبر) وإستراتيجية إنقاذ شركة الكهرباء الوطنية في منتصف شهر آب (أغسطس) هل ترون أن الأردن جاد في تطبيق الإصلاحات؟ وما هي نصيحتكم للحكومة الأردنية من أجل تعزيز النمو؟ وهل طبق الأردن الإصلاحات اللازمة التي تؤهلها للحصول على المبالغ المتبقية؟
- كان تحرير أسعار المحروقات خطوة مهمة أوجدت آلية شفافة لتسعير المحروقات وخففت عبء دعم الوقود عن موازنة الحكومة المركزية. والمهم أن الحكومة بدأت في نفس الوقت تقديم تحويلات نقدية كبيرة لمساعدة الفئات ذات الدخل المتوسط والمنخفض على تحمل أثر تحرير الأسعار.
وفيما يتعلق بشركة الكهرباء الوطنية المساهمة العامة (NEPCO)، تطبق الحكومة إستراتيجية شاملة تقوم على ثلاث ركائز أساسية هي: (1) تنويع مصادر الطاقة للحد من التكاليف التي تتحملها الشركة وتوفير وقاية أفضل من المخاطر الخارجية، و(2) تحسين كفاءة استخدام الطاقة، و(3) إصلاح تعرفة الكهرباء مع توفير الحماية للفقراء. وهذا هو بالضبط ما تحقق بزيادة التعرفة في 15 آب (اغسطس)؛ حيث استُثنيت كل الأسر والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك القطاع الزراعي.
 وبرغم تحديات البيئة الخارجية، ما يزال أداء الاقتصاد الأردني على المسار الصحيح. وتقر السلطات بالأهمية البالغة لمواصلة العمل من أجل تحقيق النمو المستمر والشامل لكل المواطنين، ولذلك فهي تطبق إصلاحات هيكلية تهدف إلى تخفيض البطالة وزيادة النمو. وتمثل “مبادرة تشغيل الأردنيين” خطوة مهمة لمساعدة الشباب –سواء أصحاب المهارات أم الذين يفتقرون إليها– في الحصول على فرص عمل من خلال مزيج من التدريب للعمالة والحوافز لأصحاب العمل، وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة. كذلك تركز الحكومة على زيادة التمويل المتاح لأصحاب المشروعات من خلال تحسين الإطار القانوني وتعزيز الشفافية.
وفيما يخص الدعم المالي من صندوق النقد الدولي، هناك مناقشات جارية مع الحكومة الاردنية في سياق التقدم الذي يشهده تنفيذ البرنامج الاقتصادي. وتعتزم الحكومة مواصلة تنفيذ السياسات التي تكفل تحقيق أهداف البرنامج المتمثلة في ضبط حسابات المالية العامة، والحفاظ على مستوى ملائم من الاحتياطيات، وتعزيز النمو. ونحن ندعم جهودها في هذه المجالات دعما كاملا.
• كثيرون في الشرق الأوسط يلقون اللوم على الصندوق حتى الآن بسبب الإجراءات الصعبة التي ينبغي للحكومات اتخاذها للحصول على دعم الصندوق. وبالتالي، فإن صورة الصندوق لدى المواطنين في المنطقة سلبية نسبيا. فهل هناك خطط لدى الصندوق لضمان مستوى أعلى من الشفافية والإفصاح عن المعلومات من أجل توعية المواطنين بشكل أفضل حول هذه الأمور؟
- الصندوق مؤسسة تعاونية تضم في عضويتها 188 بلدا، ومنها بلدان الشرق الأوسط، وهو ملتزم بمساعدة أعضائه حين يواجهون مصاعب اقتصادية. وعندما تقدم البلدان الأعضاء مساعدة جماعية، سواء مالية أو غيرها، فهي أيضا تحتاج إلى الحصول على ضمانات بأن البلد الذي يتلقى المساعدة ملتزم بتنفيذ سياسات ستعيده إلى المسار الصحيح.
وليس من السهل في أي مكان، سواء بمساعدة الصندوق أو بغير مساعدته، أن تُتخذ إجراءات تصحيحية صعبة في أثناء فترة من الهبوط الاقتصادي أو في خضم أزمة. والمساعدة المالية التي يقدمها الصندوق تعطي الحكومة فرصة لالتقاط الأنفاس حتى تعالج القضايا الرئيسية بما يساهم في تحقيق التعافي الاقتصادي. والحكومة تصمم وتقترح برنامجا اقتصاديا لتحقيق ذلك. وصندوق النقد الدولي، اعتمادا على خبرته الواسعة والطويلة، يقدم النصح ويتشاور مع السلطات في تصميم البرنامج حتى يكون واقعيا وقابلا للاستمرار، ثم يحظى بدعم البلدان الأعضاء في نهاية المطاف. ولكن البرنامج يظل في النهاية ملكا للحكومة التي وضعته.
وكثيرا ما يُقارَن الصندوق بالطبيب الذي ينصح المرضى بأفضل السبل الممكنة لاستعادة عافيتهم. ولنكن صادقين: لا أحد يحب الذهاب إلى الطبيب في الواقع، لأن زيارته عادة ما تقترن بالمرض والألم وأحيانا بالدواء. ولكن حين يذهب المريض إلى الطبيب، تكون المشكلة قائمة بالفعل وهو يلجأ إليه طلبا للمساعدة. وهذا هو الدور الذي نؤديه حين يطلب أحد البلدان الأعضاء مساعدتنا: نتشاور مع الحكومة لنرى ما هي المشكلة، ونحدد القضية التي يتعين معالجتها بسرعة لكي لا تزداد الأمور سوءا، ونساعد السلطات على اتخاذ إجراءات ملائمة لبناء اقتصاد قابل للاستمرار.
وفيما يتعلق بالشفافية، نعم لقد أصبح الصندوق على درجة كبيرة من الشفافية منذ عشر سنوات أو أكثر، ونحن نعرض معظم تحليلاتنا واستنتاجاتنا بوضوح. وفي نفس الوقت، فإننا نشجع كل بلداننا الأعضاء بشدة على أن توضح للشعب سياساتها الاقتصادية. والبلدان هي المسؤولة في النهاية عن وضع سياساتها وتنفيذها.
• بالنسبة لمصر، توقفت المفاوضات بين الصندوق والحكومة بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي. فهل تخططون لتقديم مساعدات فنية ومالية لمصر؟
- نحن ملتزمون بقوة بدعم الشعب المصري خلال هذه الفترة الانتقالية الصعبة. كما تعلمون، لقد عملنا بشكل مكثف مع الحكومات المصرية المتعاقبة منذ ثورة يناير 2011، ونحن ملتزمون بالعمل مع السلطات الحالية.
موظفو صندوق النقد الدولي على استعداد للعمل مع السلطات المصرية هنا أو في أي مكان آخر. وأنا على استعداد لإرسال فريق من الصندوق إلى القاهرة في أقرب وقت ترغب فيه السلطات المصرية للمضي قدما في الوصول لتفاهم مشترك للحالة الاقتصادية الراهنة. كما يمكن مناقشة حزمة من السياسات الاقتصادية التي من شأنها أن تؤدي إلى تحسن عاجل في حياة كل المصريين.
• في الشرق الأوسط، يُنظَر إلى الصندوق على أنه شديد التأثر بالولايات المتحدة ويراه البعض أحيانا باعتباره أداة للولايات المتحدة. فما مدى صحة ذلك؟
- كما ذكرت، يضم الصندوق في عضويته 188 بلدا وجميعهم “حملة أسهم” فيه، أي أن لكل منهم حصة مالية وصوتا في الصندوق. وكلهم ممثلون في المجلس التنفيذي الذي يشرف على القرارات التي تُتخذ فيه، كما أنها مُمثلة في اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي تُعنى بتسيير السياسات الاقتصادية وتجتمع مرتين سنويا. وسوف يلتقون جميعا في “الاجتماعات السنوية” التي نعقدها الأسبوع المقبل لمناقشة التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي والصندوق.
صحيح أن الولايات المتحدة عضو مهم في الصندوق، وهي بالفعل صاحبة أكبر حصة فيه. وللبلدان العربية صوت قوي أيضا؛ إذ يمثلها في الصندوق ثلاثة مديرين من مجموع 24 مديرا هم أعضاء مجلسه التنفيذي. وعلى أي حال، فقرارات المجلس التنفيذي عادة ما تُتخذ بتوافق الآراء. وعليه فإن المهم فعلا هو أن يتفق البلدان على مسار مشترك للعمل.
ونحن بطبيعة الحال نعي أهمية نظام الحوكمة في الصندوق لضمان تكافؤ الفرص أمام كل الأعضاء لكي يشاركوا في عمل المؤسسة. ولهذا السبب نجري إصلاحات واسعة النطاق في نظام الحوكمة منذ ثلاث سنوات، وسوف تؤدي – عند استكمالها - إلى إعادة مواءمة الحصص لكي تعكس بشكل أفضل واقعنا الاقتصادي الراهن، بما فيه من تحول كبير من البلدان المتقدمة إلى البلدان الصاعدة والنامية.
إذن، كما قلت، الصندوق مؤسسة تقوم على التعاون والتضامن في المقام الأول، تتاح فيه لجميع الأعضاء فرصة توصيل صوته وإبراز ما يهمهم من قضايا اقتصادية ومالية لطرحها على مائدة النقاش.

التعليق